لم تعد فنادق العاصمة الفرنسية مجرد وجهة للسياح، إذ باتت غرفها المكيفة ملاذًا لمئات السكان الذين فروا من لهيب شققهم، إثر موجة حر تاريخية تضرب العاصمة الفرنسية منذ أيام، في مشهد استثنائي لم تألفه باريس من قبل.
أسطح الزنك تزيد الأمر سوءًا
رصدت فايننشال تايمز تسجيل باريس سلسلة متواصلة من الأرقام القياسية الليلية، منذ يوم الاثنين، إذ لم تهبط درجات الحرارة في ليلة الأربعاء إلى الخميس عن 26.4 درجة مئوية، فيما اخترقت درجات النهار حاجز الـ 40 درجة، مع توقعات بأن تظل فوق 35 درجة حتى يوم الأحد على أقل تقدير.
ولا تقتصر المعاناة على الأرقام، إذ إن أسطح باريس الزنكية الشهيرة، التي تمنح المدينة طابعها البصري المميز، باتت عبئًا حراريًا إضافيًا لارتفاع قدرتها على امتصاص الحرارة وإعادة إشعاعها داخل المباني، في حين نفدت المراوح من معظم المحلات التجارية، وسجلت المستشفيات طاقتها الاستيعابية القصوى وسط تقارير عن وفيات عدة مرتبطة بالحر.
من الشقق إلى الفنادق
نقلت فايننشال تايمز عن فرانك دلفو، رئيس اتحاد أصحاب الفنادق والمطاعم في منطقة إيل دو فرانس، أن الحجوزات بدأت تتدفق فور اشتداد الموجة الحرارية، قادمة من أسر لديها أطفال وكبار سن لم يعودوا يتحملون البقاء في منازل بلا تكييف، إلى جانب موظفين يحجزون غرفًا للعمل نهارًا بعيدًا عن الحرارة.
وفي أحد الفنادق شرقي باريس، التقت الصحيفة بعائلة من أربعة أفراد اضطرت للفرار من شقة مؤقتة خلال أعمال ترميم منزلها، بعد أن أُصيب طفلهم البالغ عامين بحمى جراء الحر.
وقال الأب جوردي، وطفله الرضيع البالغ شهرين محمولًا على صدر والده في قاعة الإفطار الباردة: "كنا مقيمين هنا حتى الجمعة وقررنا التمديد.. الفندق يزداد امتلاءً نهارًا، ورأينا أشخاصًا كثيرين يُرَدون لعدم توفر غرف".
وأضاف صاحب فندق قرب محطة أوسترليتز أن رواد يأتون نهارًا للتبرد بدلًا من الانتظار في المحطة المحتقنة بالحر وسط أعمال تجديد واسعة، غير أن الليالي باتت محجوزة بالكامل.
وكانت الفنادق الباريسية قد بلغت نسبة إشغال تتراوح بين 80 و85% قبل اندلاع موجة الحر، وفقًا لدلفو، في ظل ذروة موسم السياحة الصيفي الذي يتزامن هذا العام مع أسبوع الموضة الرجالية الذي يملأ الفنادق الفاخرة بدوره.
إجراءات استثنائية
على صعيد الاستجابة الرسمية، أفادت فايننشال تايمز بأن شرطة باريس حظرت تناول الكحول في الأماكن العامة اعتبارًا من ظهر الجمعة، وامتد الحظر ليشمل بيعه في المتاجر ابتداءً من السادسة مساءً، فيما أشار رئيس شرطة باريس باتريس فور، إلى أن تناول الكحول تحت الشمس الحارقة يُلقي بأعباء جسيمة على سيارات الإسعاف وفرق الاستجابة الأولى.
وعلى المستوى الحكومي، حثّ رئيس الوزراء سيباستيان ليكورنو المواطنين على تجنب الأنشطة الرياضية في الهواء الطلق، محذرًا من أن كثيرين لا يزالون يعرضون أنفسهم للخطر.
وتجاوزت التدابير حدود المألوف، إذ أتاحت بلدية الدائرة التاسعة لأطفال المدارس استخدام مقر شركة جوجل في المنطقة فصلًا دراسيًا بديلًا، كما فتحت بعض الفنادق أبوابها لاستقبال طلاب المدارس الابتدائية في قاعات الطعام وغرف الاجتماعات.
وأمرت بلدية باريس بتخزين 20 طنًا من الجليد في إحدى حلبات التزلج لتوزيعها على خدمات الطوارئ لمعالجة ضربات الشمس، وأُلغي مهرجان موسيقي كبير في باريس، في إشارة إلى أن المدينة لم تنتهِ بعد من استيعاب تداعيات هذه الموجة الحرارية الاستثنائية.