لم تعد موجة الحر التي اجتاحت فرنسا هذا الصيف مجرد أزمة مناخية، بل تحولت إلى ساحة معركة سياسية بين اليمين المتطرف واليسار الأخضر، محورها سؤال واحد: هل يُبرَد الفرنسيون بالمكيفات أم بإعادة بناء مدنهم؟
في هذا الصدد، أشارت صحيفة "فايننشال تايمز" البريطانية، إلى أن درجات الحرارة التي تخطت الأربعين مئوية في مدن مثل نانت وباريس حولت التكييف من شأن صحي عملي إلى قضية أيديولوجية تتصدر نشرات الأخبار وتُحدد ملامح السباق الرئاسي المقبل.
الحرارة تشعل الحرب الكلامية
رفعت مارين لوبان، زعيمة حزب التجمع الوطني اليميني المتشدد ومرشحته للرئاسة، لواء التكييف شعارًا انتخابيًا، مُعلنة أن فوزها بالرئاسة سيُفضي فورًا إلى "خطة تكييف ضخمة" تبدأ بالمستشفيات ودور المسنين والمدارس، ومنتقدة ما وصفته بالتعنت الأيديولوجي لليسار الذي يترك الناس يموتون في الحر رفضًا لمكيف الهواء.
وأضاف المشرِّع البارز في الحزب جان فيليب تانجي أن الفرصة أُهدرت منذ كارثة 2003، حين كان ينبغي إطلاق خطة تكييف وطنية عوضًا عن إبقائه "تابوهًا أيديولوجيًا" فرضه اليسار لعقود.
في المقابل، أطلق زعيم اليسار المتشدد جان لوك ميلانشون رفضًا قاطعًا، مؤكدًا أن توسيع التكييف لن يزيد الأمر إلا سوءًا بفعل ارتفاع انبعاثات الكربون.
وتتقاطع هذه الحجة مع تحذيرات خبراء المناخ الذين تستشهد بهم فايننشال تايمز، ومفادها أن التوسع العالمي في التكييف سيُضاعف استهلاك الكهرباء ويُفاقم ظاهرة الاحترار.
غير أن فرنسا، التي تستمد 70% من طاقتها الكهربائية من المفاعلات النووية المنخفضة الكربون بحسب الصحيفة، تجد هذا الهاجس أقل حدةً مما هو عليه في دول أخرى.
اليسار يراهن على الطوب والشجر
لا يقف التجمع الوطني عند حد المطالبة بالتكييف، بل يُوظفه في سياق نقد شعبوي أوسع لما يصفه بـ"مغالاة السياسات الخضراء" التي يتبناها الرئيس ماكرون والاتحاد الأوروبي، مؤكدًا أن اشتراطات خفض انبعاثات السيارات والتخلي عن سخانات الغاز المركزية تُلقي بأعباء مالية غير مبررة على كاهل الطبقة العاملة.
ونجح الحزب في البرلمان في تخفيف لوائح كفاءة الطاقة في المنازل ووقف اشتراطات تجديدها، فضلًا عن التراجع عن حظر السيارات القديمة الأكثر تلويثًا من مراكز المدن.
في المقابل، ترفض مرشحة حزب الخضر للرئاسة مارين تونديليه توصيف حزبها بأنه معادٍ للتكييف، مؤكدةً أنه ليس "محرمًا" بل ليس حلًا سحريًا.
ويدعو برنامج الخضر إلى تسريع تجديد المباني لتحسين تهويتها وعزلها الحراري، وتوسيع المساحات الخضراء في المدن، مستندين إلى دراسات تثبت أن التكييف الواسع الانتشار يرفع حرارة الأحياء الكثيفة ليلًا عبر تصريف الحرارة المهدرة في الشوارع والأسطح.
وهو ما أشارت إليه وكالة الطاقة الدولية أيضًا، وإن نبهت في الوقت ذاته إلى ضرورة الموازنة بين هذه المخاطر وما ينقذه التبريد الفعّال من أرواح، ولا سيما الفئات الأكثر ضعفًا.
الحلقة الأضعف في الأزمة
تبقى المدارس الحلقة الأضعف في هذه المعادلة برمّتها، إذ كشفت وكالة البيئة الفرنسية "أديم" أن 14% فحسب من المدارس مزوَّدة بمكيفات، وكثير منها يفتقر حتى إلى أبسط الحلول كالستائر أو النوافذ التي تُفتح.
وخلال موجة الحر الأخيرة، أغلقت نحو 1800 مدرسة أبوابها بالكامل لارتفاع الحرارة، فيما خففت أكثر من 8000 مدرسة دوامها، ما اضطر أولياء الأمور إلى اصطحاب مراوح ولواصق عاكسة للشمس في حلول فردية ارتجالية.
وسارع عمانويل جريجوار، رئيس بلدية باريس الاشتراكي، إلى رصد أموال طارئة لشراء 1200 وحدة تكييف لمدارس العاصمة الـ620، واعدًا بتسليمها قبل نهاية الأسبوع المقبل.
أرقام تكشف تناقضًا عميقًا
تعكس الأرقام حجم الفجوة بين الواقع والطموح، فبحسب "أديم" ارتفعت نسبة التكييف في المنازل من 14% عام 2016 إلى 25% عام 2020، غير أن ذلك يبقى متأخرًا بفارق كبير عن جنوب أوروبا والولايات المتحدة التي تتجاوز فيها النسبة 70%.
أما على صعيد المرافق العامة، فلا يتجاوز التكييف 40% في المنشآت الصحية و7% في وسائل النقل العام.
وكشف استطلاع إيبسوس الصادر في يونيو أن 84% من الفرنسيين يرون في التكييف الوسيلة الأكثر فاعلية لمواجهة الحر، فيما يعتبره 78% منهم في الوقت ذاته ضارًا بالبيئة، وهي مفارقة صارخة تعكس عمق الأزمة وتعقيد المشهد في بلاد تقف على مفترق طرق بين حماية المواطن وصون الكوكب.