تشهد أوروبا موجة حر استثنائية تضرب عددًا من دول القارة تحت تأثير قبة حرارية واسعة تعرف باسم "كتلة أوميجا"، وسط درجات حرارة قياسية وإجراءات حكومية طارئة لمواجهة تداعياتها الصحية والخدمية، إذ تتركز التأثيرات الأشد في فرنسا، فيما تمتد الموجة إلى بريطانيا وإسبانيا وإيطاليا ودول أوروبية أخرى.
قبة حرارية
وذكرت صحيفة "ذا جارديان" البريطانية، أن أوروبا تغلي تحت تأثير قبة حرارية تعرف باسم كتلة أوميجا، سلسلة ضخمة من الضغط المرتفع أغلقت نفسها فوق القارة، ويحبس هذا النظام الجوي الهواء الصحراوي الساخن تحته كما يحبس غطاء قدر الضغط الحرارة في داخله.
وتقع فرنسا في قلب هذه الظاهرة الجوية، إذ وصلت درجات الحرارة 43 درجة مئوية، ما دفع السلطات إلى إغلاق المدارس وإلغاء رحلات قطارات وإيقاف تشغيل مفاعل نووي، بينما بدأت بريطانيا بدورها تتأثر بامتداد الكتلة الهوائية الحارة.
وقال خبير الأرصاد الجوية في هيئة الأرصاد الجوية البريطانية والمؤلف المشارك لكتاب "النجاة من الطقس القاسي" جيم ديل، إن ما تشهده المملكة المتحدة يتمثل في ضغط جوي مرتفع محلي وهواء ساخن قادم من القارة الأوروبية التي تمر بموجة حر خاصة بها.
كتلة أوميجا
حذّر مكتب الأرصاد الجوية البريطاني من أن أجزاء من إنجلترا وويلز تقترب من الرقم القياسي البريطاني، لشهر يونيو البالغ 35.6 درجة مئوية والمسجل في ساوثهامبتون عام 1976، مع استمرار تحرك الكتلة الساخنة شمالًا وغربًا.
وتعد كتلة أوميجا السبب المباشر لهذه الموجة، نمط جوي مستمر يحمل اسم الحرف اليوناني أوميجا، إذ يتمركز ضغط مرتفع بين منخفضين جويين، مكونا انحناء يشبه حدوة الحصان في التيار النفاث.
وفي الظروف الطبيعية تتحرك الأنظمة الجوية من الغرب إلى الشرق عبر أوروبا، لكن وجود كتلة أوميجا يوقف هذا التدفق، ويمنع وصول الهواء الأطلسي البارد، فيما تستمر السماء الصافية والشمس الساطعة في تعزيز تراكم الحرارة.
فرنسا الأشد
يؤدي هذا النمط الجوي إلى سحب الهواء الساخن شمالًا من شمال إفريقيا والصحراء الكبرى، بينما يعمل الضغط المرتفع على حبس الحرارة قرب السطح، ويزداد الهواء سخونة مع هبوطه وانضغاطه، في ظل تربة جافة ونباتات عطشى وليالٍ قصيرة.
ويقول خبراء الأرصاد الجوية، إن القبة الحرارية تتمركز فوق فرنسا، ما يفسر تأثرها الأكبر مقارنة بجيرانها، وسجلت البلاد أحر ليلة في تاريخها بين الاثنين والثلاثاء، وفقًا لهيئة الأرصاد الجوية الفرنسية.
وأضاف خبير الأرصاد الجوية في ميتي نيوز، كريستوف ميرتز، لصحيفة "لا مونتاني"، أن قلب الجزء الأكثر سخونة من هذا النظام يتركز فوق فرنسا، رغم امتداده جزئيًا إلى الدول المجاورة، مؤكدًا أن الظاهرة تبلغ ذروتها فوق الأراضي الفرنسية.
خسائر بشرية
عُثر يوم الاثنين على جثتي طفلين يبلغان عامين وأربعة أعوام داخل سيارة عائلية في كاربنتراس جنوب فرنسا، فيما رجح المحققون أن تكون الحرارة السبب الأكثر احتمالًا للوفاة.
كما توفي ثلاثة مسنين في منازلهم في جيروند، الأحد الماضي، بينما سجلت خدمات الطوارئ زيادة ملحوظة في الاتصالات المرتبطة بالحرارة، وأعلن رئيس الوزراء الفرنسي، اليوم الثلاثاء، وقوع 40 حالة غرق مع توجه أعداد كبيرة إلى المياه هربًا من الحر.
وأشار خبراء إلى أن آلاف الأشخاص قد يموتون بسبب الحرارة الزائدة في المملكة المتحدة، وربما عشرات الآلاف في فرنسا، مؤكدين أن هذه الوفيات لا تظهر فورًا في الإحصاءات، ما يجعل الحرارة توصف بأنها "القاتل الصامت".
مخاطر صحية
قال عالم المناخ في المركز الوطني الفرنسي للبحث العلمي كريستوف كاسو، لصحيفة "لوموند" الفرنسية، إن درجات الحرارة الدنيا ليلًا تُعد بالغة الأهمية للصحة البدنية والعقلية، لأن الجسم يحتاج إلى التعافي ليلًا من تأثير الحرارة الشديدة خلال النهار.
وأضاف رئيس قسم طب الطوارئ في رين البروفيسور لويس سولات، أن قدرة الجسم على التأقلم محدودة زمنيًا، وأن المستشفيات قد تشهد بعد عدة أيام من الحر المزيد من الأزمات النفسية ومضاعفات السكري وفشل القلب ومشكلات الكلى.
وأفادت هيئة الأرصاد الجوية الفرنسية بأن درجات الحرارة ستتراوح بين 40 و42 درجة مئوية في غرب فرنسا وبين 38 و40 درجة مئوية في وسط البلاد، فيما بلغ متوسط الحرارة الصغرى على مستوى البلاد 21.6 درجة مئوية متجاوزًا الرقم القياسي السابق المسجل، يوليو 2019.
امتداد أوروبي
وأوضح المتنبئ الجوي في هيئة الأرصاد الجوية الفرنسية سيباستيان لياس، أن الفترة من الاثنين إلى الخميس ستصنف بين الأيام الأكثر حرارة التي سجلت على الإطلاق في فرنسا.
وامتد النمط الجوي نفسه إلى إسبانيا وإيطاليا وبلجيكا وألمانيا وهولندا، حيث تواجه إسبانيا درجات حرارة تصل 44 درجة مئوية، فيما أصدرت إيطاليا إنذارات حمراء في 15 مدينة بينها روما وتورينو وفيرونا وبولونيا وفلورنسا والبندقية وميلانو.
وأعلنت السلطات الإيطالية أن عدد المدن الخاضعة للإنذار الأحمر سيرتفع إلى 16 مدينة، مع استمرار تأثير القبة الحرارية على أجزاء واسعة من جنوب وغرب القارة الأوروبية.
تغير المناخ
يؤكد العلماء أن تغير المناخ ضاعف من شدة ارتفاع درجات الحرارة، مشيرين إلى أن أوروبا تُعد أسرع قارات العالم احترارًا، بعدما ارتفعت حرارتها بأكثر من ضعف المتوسط العالمي، خلال العقود الثلاثة الماضية.
ووفقًا للمنظمة العالمية للأرصاد الجوية ومرصد كوبرنيكوس التابع لوكالة الفضاء الأوروبية، يعود ذلك جزئيًا إلى أن اليابسة تسخن أسرع من المحيطات، وإلى قرب أوروبا من القطب الشمالي الذي يشهد ارتفاعًا متسارعًا في درجات الحرارة.
كما تسهم البحار الدافئة في تفاقم الأزمة، إذ ترتفع حرارة خليج بسكاي بنحو ثلاث درجات مئوية فوق المعدل الطبيعي، بينما يبلغ متوسط حرارة شمال غرب البحر المتوسط 25.1 درجة مئوية.
تحذيرات دولية
قال عالم المحيطات في هيئة الأرصاد الجوية الفرنسية والمركز الوطني للبحث العلمي تيبو جينالدو، إن الوضع يمثل انعكاسًا مثاليًا لما يحدث في الغلاف الجوي، محذرًا من أن البحار الساخنة قد تضعف النسائم الساحلية الطبيعية.
وحذّرت الأمم المتحدة من أن مثل هذه الظواهر لم تعد أحداثًا استثنائية، بل أصبحت مؤشرًا متكررًا على تغير المناخ الناتج عن النشاط البشري، ودعا الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو جوتيريش، إلى تحرك أكثر إلحاحًا للحد من ظاهرة الاحتباس الحراري.
وقال جوتيريش خلال أسبوع العمل المناخي في لندن، إن هذه الأزمات تبدو منفصلة ظاهريًا، لكنها تشترك في أصل مدمر واحد يتمثل في الوقود الأحفوري.
وتمثل موجة أوميجا ثاني موجة حر كبيرة تضرب أوروبا خلال شهرين فقط، بعدما شهدت القارة، مايو الماضي، موجة أخرى حطمت أرقامًا قياسية في فرنسا وبريطانيا وأيرلندا والبرتغال.
وحذّر العلماء من أن ارتفاع درجات الحرارة العالمية سيجعل هذه الموجات تبدأ في وقت أبكر من الربيع وتستمر حتى أواخر الخريف، مع ازدياد شدتها في كل مرة.
وأضافت المسؤولة الإستراتيجية عن المناخ في المركز الأوروبي للتنبؤات الجوية متوسطة المدى سامانثا بورجيس، أن موجات الحر المبكرة والشديدة بشكل غير معتاد تظهر مدى سرعة تحول الظواهر المناخية المتطرفة إلى واقع طبيعي جديد بدلًا من أن تكون استثناء.