لم تكن موجة الحر التي تجتاح فرنسا مجرد اضطراب مناخي عابر، بل تحولت إلى أزمة سياسية حقيقية كشفت عن هشاشة الاستعداد الحكومي في مواجهة التغير المناخي المتسارع، إذ لقي سبعة أشخاص مصرعهم جراء الحر، وسط أرقام قياسية واتهامات بالتقصير تُلاحق وزير سيباستيان لوكورنو.
سبعة قتلى وأرقام قياسية
كشفت المتحدثة باسم الحكومة الفرنسية مود بريجون في تصريحات لقناةTF1 أن سبعة أشخاص لقوا حتفهم جراء الحرارة المفرطة، خمسة منهم غرقوا في أنهار وبحيرات اكتظت بالمواطنين الفارين من لهيب الشمس، رغم أن الإشراف الرسمي على شواطئ السباحة لا يبدأ في أغلب المناطق قبل يوليو.
وضمت القائمة أيضًا امرأة توفيت إثر ضربة شمس خلال بطولة رياضية في ليون، ورجل في الثالثة والخمسين أُصيب بنوبة قلبية في منتصف سباق عدو بباريس.
وفي ضاحية ميزون ألفور الباريسية، نُقل ستة عشر شخصًا إلى المستشفى خلال سباق مشابه، عشرة منهم في حالات حرجة.
في الوقت ذاته، رصدت الهيئة الوطنية للأرصاد الجوية "ميتيو فرانس" كسر المؤشر الحراري الوطني للرقم القياسي يومين متتاليين ليبلغ 24.8 درجة مئوية، فيما سجلت أكثر من 350 محطة أرصاد أرقامًا شهرية غير مسبوقة، وأُعلنت حالة التأهب البرتقالي في 13 محافظة، وهو ما لم يحدث منذ إطلاق منظومة الإنذار المبكر عام 2004.
اجتماع وزاري في توقيت مثير للجدل
في خضم هذا اللهيب، دعا رئيس الوزراء لوكورنو إلى اجتماع وزاري طارئ، ضم قرابة عشرة وزراء تحت عنوان "استعداد الدولة لموجات الحر"، غير أن التوقيت لم يفلت من نقد المعارضة، إذ وصفت زعيمة حزب البيئيين مارين تونديلييه الحكومة بأنها "مرعبة في درجة إهمالها"، مستنكرةً أن يجتمع الوزراء للتخطيط لموجات قادمة بينما الأزمة الراهنة لم تُعالج بعد.
ورد وزير المواصلات فيليب تاباروت بأن "الدولة ليست مسؤولة عن كل شيء"، موزعًا الأعباء على الجهات المشغلة كالسكك الحديدية"SNCF" والجماعات المحلية التي وصفها بـ"الخط الأول".
وأشار مسؤول حكومي إلى أن وزارة الداخلية تحركت منذ الأحد 24 مايو، حين أرسل وزير الداخلية الفرنسي لوران نونيز تعليمات للمحافظين بتعزيز تقييم المخاطر وتجهيز الخدمات الصحية، غير أن هذه المبررات لم تُخمد الجدل.
مدارس محتقنة ونصائح مثيرة للسخرية
وجدت وزيرة الصحة ستيفاني ريست نفسها في مرمى السخرية حين ذكرت الفرنسيين بـ"شرب الماء" وعدم ممارسة الرياضة في الحر، في تكرار لمشهد سابقتها روزلين باشيلو التي طالبتهم عام 2003 بـ"إيقاف سياراتهم في الظل"، إلا أن النقد الأشد وقعًا كان مرتبطًا بالمدارس المتهالكة التي باتت شاهدًا على إخفاقات الدولة في التكيف المناخي، وفق ما رصدته "ليبراسيون"، إذ إن "الصندوق الأخضر" المُنشأ عام 2023 لتمويل مشاريع التكيف المحلية تعرض لتقليصات متكررة في ميزانيات ما بعد حل البرلمان عام 2024.
وتوجهت تونديلييه اليوم الجمعة 29 مايو إلى مدرسة في كوربيإيسون للترويج لمقترحها بـ"إجازة مناخية" لأولياء أمور التلاميذ المحاصرين في فصول محتقنة بالحرارة.
علماء المناخ يحذرون
ما يقلق العلماء ليس الأرقام وحدها، بل ما تعنيه، إذ نقلت صحيفة "ذا جارديان" البريطانية، عن عالم المناخ روبير فوتار تحذيره من أن امتداد موسم الحر نحو أشهر أبكر "سمة جوهرية من سمات تغير المناخ"، مرجحًا تكرار موجات مشابهة في أبريل وأكتوبر مستقبلًا.
وأوضحت "ميتيو فرانس" أن "القبة الحرارية" نشأت من هواء حار قادم من المغرب محاصر تحت ضغط جوي مرتفع، مؤكدةً أن أحداثًا كهذه ستتكرر "بشكل متزايد وأشد حدة".
ووصف عالم المناخ كريستوف كاسو لصحيفة "لوموند" الفرنسية هذه الموجة بأنها "حدث غير مسبوق" يكاد يكون مستحيلًا في مناخ ما قبل الصناعة، مشيرًا إلى أن موجات الحر في يونيو باتت أكثر احتمالًا بعشرة أضعاف مقارنة بتلك الحقبة.