توفي آلان جرينسبان، الرئيس الأسبق لمجلس الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي، عن عمر ناهز 100 عام، بعد مسيرة طويلة ترك خلالها بصمة عميقة في الاقتصاد الأمريكي، قبل أن يواجه انتقادات واسعة لاحقًا بسبب دوره غير المباشر في الأزمة المالية العالمية وانهيار سوق الإسكان.
وأعلنت زوجته، الصحفية في شبكة "NBC نيوز" أندريا ميتشل، وفاة جرينسبان في بيان قالت فيه إن زوجها توفي صباح اليوم في منزلهما متأثرًا بمضاعفات مرض باركنسون.
وقالت ميتشل: "كان آلان شخصية استثنائية ساهمت في تشكيل الاقتصاد الأمريكي لعقود تحت إدارات جمهورية وديمقراطية على حد سواء، وكان دائمًا صريحًا في الاعتراف بأخطائه".
أهم المناصب
شغل جرينسبان منصب رئيس مجلس الاحتياطي الفيدرالي لمدة خمس ولايات متتالية تحت قيادة أربعة رؤساء أمريكيين، بدءا من تعيينه عام 1987 من قِبل الرئيس رونالد ريجان، واستمر في المنصب حتى انتهاء ولايته خلال إدارة جورج دبليو بوش عام 2006. وتعد فترة رئاسته التي امتدت لنحو 18 عامًا ونصف العام ثاني أطول فترة لرئيس البنك المركزي الأمريكي.
ولد جرينسبان في مدينة نيويورك، وعمل أستاذا للاقتصاد في جامعة نيويورك خلال خمسينيات القرن الماضي، بالتزامن مع إدارته لشركة استشارات اقتصادية شارك في تأسيسها. كما لعب أدوارًا استشارية في حملات وإدارات رئاسية عدة، من بينها إدارة ريتشارد نيكسون، قبل أن يترأس مجلس المستشارين الاقتصاديين للرئيس في عام 1974.
إرث اقتصادي حافل
شهدت بداية ولاية جرينسبان في الاحتياطي الفيدرالي أحد أكبر التحديات في تاريخ الأسواق المالية، عندما انهار سوق الأسهم الأمريكية في 19 أكتوبر 1987، في اليوم الذي عُرف لاحقا باسم "الاثنين الأسود"، بعد هبوط مؤشر داو جونز بنسبة 22% خلال جلسة واحدة.
وفي خطوة اعتبرها كثيرون حاسمة، أعلن جرينسبان حينها استعداد الاحتياطي الفيدرالي لتوفير السيولة اللازمة لدعم النظام المالي، ما ساهم في تهدئة الأسواق وتسريع تعافيها.
وخلال فترة قيادته، شهد الاقتصاد الأمريكي واحدة من أقوى موجات النمو في زمن السلم، حيث انخفض معدل البطالة إلى أقل من 4%، وسجلت أسواق الأسهم مستويات قياسية، كما تحولت الميزانية الفيدرالية من العجز إلى الفائض.
جدل أسعار الفائدة وفقاعة الإسكان
لكن إرث جرينسبان لم يخل من الجدل. فبعد انفجار فقاعة شركات التكنولوجيا مطلع الألفية وتعرض الاقتصاد الأمريكي لركود عام 2001 وهجمات 11 سبتمبر، قاد سياسة نقدية توسعية خفّضت أسعار الفائدة إلى مستويات متدنية تاريخيًا بلغت 1%.
ويرى العديد من الاقتصاديين أن هذه السياسة ساهمت في تضخم فقاعة الإسكان عبر تشجيع التوسع في منح القروض العقارية، بما في ذلك للمقترضين ذوي الجدارة الائتمانية الضعيفة.
وخلال وجوده في المنصب، رفض جرينسبان مرارًا الحديث عن وجود فقاعة عقارية على المستوى الوطني، مؤكدًا أن الارتفاعات المبالغ فيها كانت تقتصر على بعض الأسواق المحلية.
إلا أنه بعد انهيار أسعار المنازل واندلاع الأزمة المالية العالمية عام 2008، أقر أمام الكونجرس الأمريكي بأنه كان في "حالة من الصدمة وعدم التصديق"، معترفًا بأن حجم الأضرار الاقتصادية الناتجة عن انهيار سوق الإسكان تجاوز كل توقعاته.
ورغم ذلك، واصل الدفاع عن سياساته النقدية، مؤكدًا أن أسعار الفائدة المنخفضة لم تكن السبب المباشر للأزمة، ومعتبرًا أنه كان "على صواب في نحو 70% من قراراته" خلال فترة رئاسته للبنك المركزي.
شخصية غامضة
واشتهر جرينسبان بأسلوبه المعقد والغامض في التصريحات العامة، ما كان يدفع المستثمرين والمحللين إلى محاولة فك شفرات رسائله الاقتصادية. وقد أقر بنفسه بذلك في مقابلة عام 1995، قائلًا إنه كان يتعمد أحيانًا تجنب الوضوح المفرط في إجاباته.
وفي المقابل، يُنسب إليه أيضًا تعزيز شفافية الاحتياطي الفيدرالي، إذ بادر عام 1994 إلى إصدار بيانات رسمية عقب اجتماعات تحديد أسعار الفائدة، وهي ممارسة أصبحت لاحقا جزءا أساسيا من آليات التواصل لدى البنك المركزي الأمريكي.
وبرحيل جرينسبان، يطوي الاقتصاد الأمريكي صفحة أحد أبرز صانعي السياسة النقدية في تاريخه الحديث، وهي شخصية ستظل محل إشادة وانتقاد في آن واحد بسبب تأثيرها العميق على مسار الاقتصاد العالمي.