الموقع الرسمي | القاهرة الاخبارية

فانس يزلزل تل أبيب.. إسرائيل تخشى تحولات ما بعد ترامب

  • مشاركة :
post-title
صورة تعبيرية بالذكاء الاصطناعي

القاهرة الإخبارية - أحمد صوان

عندما وجّه نائب الرئيس الأمريكي جيه دي فانس انتقادات حادة إلى رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو وبعض أعضاء حكومته بسبب هجومهم على المفاوضات الأمريكية الإيرانية، لم يكن رد الفعل الأول في إسرائيل الغضب بقدر ما كان الصدمة، التي كشفت كما عكستها الصحف الإسرائيلية، عن قضية أعمق بكثير من مجرد خلاف حول إيران.

الآن، بالنسبة لقطاعات واسعة داخل المؤسسة السياسية والإعلامية الإسرائيلية، بدت تصريحات فانس وكأنها مؤشر على تحوّل بنيوي في الأسس السياسية التي قامت عليها العلاقة بين الولايات المتحدة وإسرائيل لعقود طويلة.

بدأت الأزمة عندما انتقد فانس علنًا وزراء إسرائيليين هاجموا التفاهم الذي توصلت إليه واشنطن مع طهران، مؤكدًا أن بعض أعضاء الحكومة الإسرائيلية يهاجمون الرئيس الأمريكي في وقت لا تزال فيه الولايات المتحدة الحليف الأقوى لإسرائيل. ولم يكتفِ بذلك، بل ذكّر الإسرائيليين بأن الجزء الأكبر من القدرات الدفاعية التي تحمي بلادهم تم تمويله وتصنيعه بدعم أمريكي.

بالنسبة لكثيرين في إسرائيل، لم يكن هذا مجرد انتقاد سياسي عابر، بل رسالة واضحة مفادها أن الدعم الأمريكي ليس أمرًا يمكن اعتباره مضمونًا إلى الأبد. حيث أظهرت ردود فعل الصحافة الإسرائيلية أن الصدمة لم تكن ناتجة عن انتقاد أمريكي لإسرائيل، بل عن إدراك متزايد بأن الجيل القادم من قادة الحزب الجمهوري لا يتحدث بالضرورة اللغة السياسية التي اعتادت تل أبيب سماعها من واشنطن خلال العقود الماضية.

توسع الخلاف

نقلت صحيفة "يديعوت أحرونوت" العبرية، حجم القلق داخل الدوائر السياسية الإسرائيلية. إذ تحدثت عن حالة من الصدمة داخل المؤسسة الحاكمة، وعن قرار متعمد بعدم الرد على تصريحات فانس خشية تعميق الخلاف مع إدارة دونالد ترامب في لحظة إقليمية شديدة الحساسية.

كما نقلت الصحيفة عن مسؤولين إسرائيليين تقديرهم بأن تصريحات نائب الرئيس الأمريكي حملت تلميحًا غير مباشر إلى أن استمرار الهجوم العلني على الإدارة الأمريكية قد ينعكس مستقبلًا على مستوى الدعم العسكري والسياسي الذي تحصل عليه إسرائيل من واشنطن.

لكن لم يكن توصيف الأزمة نفسها هو الأهم، بل تفسيرها. فبعض المسؤولين الذين تحدثوا للصحيفة رأوا أن فانس "لا يتحدث فقط بصفته نائبًا للرئيس، بل باعتباره ممثلًا لتيار سياسي آخذ في الصعود داخل الحزب الجمهوري". وبحسب هؤلاء، فإن نائب الرئيس الحالي وأحد الأسماء المرشحة لخلافة ترامب على بطاقة الجمهوريين يعبر عن رؤية جديدة داخل اليمين الأمريكي تضع المصالح الأمريكية المباشرة فوق أي اعتبارات أخرى، حتى عندما يتعلق الأمر بحلفاء تقليديين مثل إسرائيل.

ربما هذه النقطة بالذات هي التي تجعل الأزمة أكبر من مجرد خلاف حول الملف الإيراني. فإسرائيل اعتادت طوال عقود النظر إلى الحزب الجمهوري باعتباره الضامن الأكثر ثباتاً لدعمها داخل الولايات المتحدة. أما اليوم، فتبدو بعض الأصوات الإسرائيلية وكأنها تتساءل للمرة الأولى عما إذا كان الحزب الجمهوري نفسه يتغير بصورة قد تعيد تعريف تلك العلاقة.

هذا القلق ظهر بوضوح أكبر في التحليلات التي نشرتها صحيفة "جيروزاليم بوست"، والتي لم تتعامل مع تصريحات نائب الرئيس الأمريكي باعتبارها حادثة منفصلة، بل باعتبارها مؤشراً على تحولات أوسع داخل المؤسسة الجمهورية.

وأشارت الصحيفة إلى أن الأنظار يجب ألا تتركز فقط على ترامب، بل أيضًا على الشخصيات التي قد ترسم السياسة الخارجية الأمريكية خلال العقد المقبل، وعلى رأسها جيه دي فانس ووزير الخارجية ماركو روبيو. وبحسب الصحيفة، فإن فانس يمثل نموذجًا جديدًا داخل الحزب الجمهوري "نموذجًا لا يقوم على الولاء التقليدي لإسرائيل بقدر ما يقوم على حسابات المصلحة القومية الأمريكية".

تحوّل جمهوري

يبدو التحوّل الواضح في سياسة الجمهوريين البارزين تجاه إسرائيل في طبيعة الخطاب نفسه. فخلال عقود طويلة كانت العلاقة الأمريكية الإسرائيلية تُقدَّم للرأي العام الأمريكي باعتبارها علاقة قائمة على التحالف الاستراتيجي طويل الأمد. أما فانس فقد تحدث بلغة مختلفة تماماً. لقد ركز على الأموال الأمريكية، وعلى دافعي الضرائب الأمريكيين، وعلى الأسلحة الأمريكية. كانت رسالته قائمة على منطق الكلفة والعائد أكثر مما كانت قائمة على لغة الالتزام التاريخي أو التضامن الأيديولوجي.

وتكشف هذه الأزمة عن تحول أوسع داخل اليمين الأمريكي. فالتيار الذي يمثله فانس يركز بصورة متزايدة على المصالح الداخلية الأمريكية، وعلى تقليص الانخراط في الصراعات الخارجية، وعلى مطالبة الحلفاء بتحمل قدر أكبر من الأعباء. وفي إطار هذه الرؤية، لم تعد التحالفات التقليدية تُقاس فقط بمدى قوتها التاريخية، بل أيضاً بمدى فائدتها المباشرة للمواطن الأمريكي.

بالنسبة لكثير من المراقبين الإسرائيليين، تكمن خطورة هذا التحول في هوية المتحدث نفسه. فلو جاءت هذه الانتقادات من شخصيات ديمقراطية تقدمية لطالما انتقدت إسرائيل، لما أثارت كل هذا القلق. أما أن تصدر من أحد أبرز رموز اليمين القومي الأمريكي ومن شخصية يُنظر إليها باعتبارها جزءاً من مستقبل الحزب الجمهوري، فذلك يعني أن التغيير قد يكون أعمق بكثير مما اعتادت إسرائيل التعامل معه في خلافاتها السابقة مع الإدارات الأمريكية.

وهنا تحديدًا تكمن المعضلة الإسرائيلية الجديدة. فإسرائيل اعتادت التعامل مع انتقادات تأتي من اليسار الأمريكي أو من الإدارات الديمقراطية، لكنها تجد نفسها اليوم أمام تساؤلات صادرة من داخل المعسكر المحافظ نفسه، البيئة السياسية التي اعتبرتها لعقود الحليف الأكثر موثوقية.

أيضًا، عكست صحيفة "معاريف"، جانبًا آخر من النقاش الإسرائيلي. فرغم انتقادها لتصريحات فانس واعتبارها أنها تعكس فهمًا ناقصًا للواقع الأمني الإسرائيلي، فإنها في الوقت نفسه وجهت انتقادات للحكومة الإسرائيلية نفسها، معتبرة أن غياب خطاب رسمي منظم سمح لشخصيات مثل وزير الأمن القومي إيتمار بن جفير بملء الفراغ الإعلامي بتصريحات متشددة واستفزازية زادت من حدة الأزمة.

وبهذا المعنى، فإن بعض الأصوات الإسرائيلية لم ترَ المشكلة في تصريحات فانس وحدها، بل أيضًا في الطريقة التي أدارت بها الحكومة الإسرائيلية خلافها مع واشنطن.