دخل عمدة مانشستر أندي بيرنهام التاريخ من بابه الواسع حين انتزع مقعدًا برلمانيًا في دائرة ميكرفيلد شمال إنجلترا، ليحول ما كان مجرد طموح قيادي معلق إلى مسار رسمي نحو رئاسة الوزراء.
وفي هذا الصدد، كشفت صحيفة "نيويورك تايمز" أن هذا الفوز أشعل فتيل أزمة حادة داخل حزب العمال الحاكم، تضع رئيس الوزراء كير ستارمر أمام خيارات بالغة الصعوبة.
انتصار ساحق يربك اليمين
حصد بيرنهام 24937 صوتًا بنسبة ناهزت 55%، متقدمًا بفارق كبير على منافسه روب كينيون مرشح حزب "ريفورم يو كيه" اليميني الشعبوي بقيادة نايجل فاراج، حليف الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، الذي اكتفى بـ15696 صوتًا أي ما يعادل 34%.
وأوردت "نيويورك تايمز" أن حضور مرشح حزب "ريستور بريتن" اليميني المتشدد، الذي يرى أن "ريفورم" ليس متطرفًا بما يكفي، أسهم في تشتيت الكتلة اليمينية بنسبة 7% إضافية، وإن كانت الأصوات اليمينية مجتمعةً لا تكفي لهزيمة بيرنهام في أي حال.
وما زاد من إخفاق "ريفورم" كان تاريخ مرشحه كينيون من تصريحات مسيئة للمرأة، إذ كتب عام 2019 معترفًا بتحيزه ضدها، وأيَّد تعليقات إباحية بحق شخصية إعلامية بريطانية، وادعى أن النساء يُقدمن على الإجهاض لأسباب "تتعلق بالغرور"، وحين طالبته مرشحة حزب الخضر بالاعتذار في مناظرة تلفزيونية، رفض، مكتفيًا بالقول إنه "ارتكب أخطاء في الماضي لن يكررها اليوم".
رفع راية التغيير
لم يكتف بيرنهام بالاحتفاء بفوزه، بل حول خطاب النصر إلى رسالة سياسية مكثفة، فبحسب ما نقلته الصحيفة الأمريكية، قال إن الناخبين "صوتوا من أجل التغيير، ومن أجل مزيد من القوة للشمال، ومن أجل الأمل"، ووجه تحذيرًا صريحًا لحزبه: "هذه فرصة أخيرة للتغيير، ولن تكون ثمة فرصة ثانية".
كما رأى أن فوزه يمثل فرصة لبريطانيا كي تنأى بنفسها عن "السياسة المظلمة والمنقسمة التي نراها في الولايات المتحدة"، في إشارة واضحة إلى مخاطر صعود اليمين المتطرف.
ستارمر يحذر من الفوضى
في المقابل، هنأ ستارمر منافسه علنًا صباح الجمعة، غير أنه لم يُخفِ عزمه على المواجهة.
وفي تصريح لشبكة "بي بي سي"، أكد أن أي سباق داخلي في الحزب للقيادة سيُغرق بريطانيا "في فوضى عارمة"، مضيفًا بحسم: "إن وُجد أي تنافس، فسأخوضه ولن أتراجع".
وعلى الصعيد الداخلي، وجه خلال مكالمة مع قيادات الحزب رسالة تحذيرية داعيًا إلى "التماسك كحزب وحركة"، محذرًا من "الانقلاب على بعضنا وتمزيق الحزب".
الساعة تدق
رصدت نيويورك تايمز تصاعدًا في الضغوط على ستارمر من داخل حزبه، إذ أعلن عدد من نواب العمال مطالبته بالتنحي "لصالح الحزب والبلاد".
وقال مجتبى رحمان، من مجموعة أوراسيا للمخاطر السياسية، إن السيناريو الأرجح هو انتقال منظم للسلطة قبل مؤتمر حزب العمال المقرر نهاية سبتمبر، مشيرًا إلى أن مؤيدي بيرنهام سيمارسون "أقصى ضغط ممكن" على ستارمر خلال الأيام المقبلة لإقناعه بـ"خروج لائق".
من جهته، أوصى معهد الحكومة بمنح الوقت الكافي لأي انتقال سلس، لافتًا إلى أن إعلان ستارمر التنحي قبل مؤتمر سبتمبر سيمنحه "الحيز السياسي" اللازم من خصومه.
أما حليفة بيرنهام لويز هاج، فأكدت لشبكة "بي بي سي" أن المعسكر يسعى لإدارة الأمر "بأكبر قدر من الضبط" تفاديًا لمعركة مفتوحة، مُبدية أملها في أن يلتقي الرجلان قريبًا للتوصل إلى تسوية.
وتجدر الإشارة إلى أن النظام البريطاني لا يُلزم بإجراء انتخابات عامة عند تغيير زعيم الحزب الحاكم، وهو ما أتاح لكلٍ من ليز تراس وريشي سوناك تولي رئاسة الوزراء عام 2022 خلفًا لبوريس جونسون دون الرجوع للناخبين.