أثار استخدام الرئيس الأمريكي دونالد ترامب لصور وشخصيات مستوحاة من أشهر أعمال "الأنمي" الياباني موجة انتقادات واسعة في اليابان، دفعت الحكومة إلى توجيه احتجاجات دبلوماسية إلى واشنطن، وسط مخاوف من أن يؤدي توظيف هذه الأعمال في رسائل سياسية وعسكرية إلى الإضرار بصورة الصناعة الثقافية اليابانية وحقوق مبدعيها.
وتصاعد الجدل بعد أن نشر ترامب، السبت الماضي، مقطع فيديو بدا أنه مولَّد بواسطة تقنيات الذكاء الاصطناعي عبر منصته "تروث سوشال"، ظهر فيه مرتديًا زي بطل سلسلة الأنمي الشهيرة "ناروتو"، وهو يؤدي إحدى الحركات الشهيرة المرتبطة بالشخصية.
وسرعان ما أثار الفيديو ردود فعل غاضبة بين محبي الأنمي الذين اعتبروا أن استخدام هذه الصور تم دون الحصول على إذن من أصحاب الحقوق.
انتقادات رسمية
ولم تكتف الحكومة اليابانية بردود الفعل الشعبية، إذ انتقدت رسميًا استخدام إدارة ترامب للملكية الفكرية الخاصة بالشركات اليابانية.
وحذرت كيمي أونودا، الوزيرة المسؤولة عن إستراتيجية "اليابان الرائعة" المعنية بتعزيز الصادرات الثقافية اليابانية، من أن الاستخدام غير المناسب لهذه الأعمال "قد يضر بصورة العمل الإبداعي ويلحق الضرر بأصحاب الحقوق".
وقالت "أونودا" إن المبدأ الأساسي القائم على الحصول على إذن أصحاب الحقوق قبل استخدام المواد المحمية بحقوق النشر "ينطبق بالتساوي حتى على المؤسسات العامة"، مؤكدة أن اليابان نقلت موقفها إلى الولايات المتحدة عبر القنوات الدبلوماسية في مناسبات عديدة.
وأضافت أن المخاوف لا تقتصر فقط على احتمال انتهاك حقوق الملكية الفكرية، بل تمتد أيضًا إلى استخدام الأعمال الفنية بطرق قد تتعارض مع رؤية أصحابها أو الرسائل التي أرادوا إيصالها من خلالها.
وكانت وزارة الخارجية اليابانية قدمت شكوى إلى السفارة الأمريكية في طوكيو في وقت سابق من العام بشأن استخدام صور الأنمي. وخلال جلسة برلمانية عُقدت في أبريل الماضي، أكد المسؤول بوزارة الخارجية شيجي واتانابي أن "إعادة إنتاج الأعمال المحمية بحقوق النشر دون إذن أمر غير مناسب حتى بالنسبة للمؤسسات العامة".
خلافات متصاعدة
ولا يعد مقطع "ناروتو" الحادثة الأولى من نوعها، إذ تشهد العلاقات بين طوكيو وواشنطن خلافًا متصاعدًا منذ أشهر بشأن استخدام البيت الأبيض لصور وشخصيات من الثقافة الشعبية اليابانية.
واستعانت حسابات البيت الأبيض على وسائل التواصل الاجتماعي خلال الأشهر الماضية، بصور مستوحاة من أعمال شهيرة مثل "دراجون بول"، و"يوجي يو"، و"بوكيمون"، وفي إحدى الحالات المثيرة للجدل استخدمت مشاهد مستوحاة من الأنمي في مقطع فيديو نشره البيت الأبيض على تطبيق "تيك توك" في مارس الماضي احتفاءً بالغارات الجوية الأمريكية على إيران.
كما استخدمت منشورات أخرى عناصر بصرية من أعمال عالمية مختلفة مثل "سبونج بوب سكوير بانتس" وأبطال "مارفل" و"دي سي كوميكس" وحتى لعبة "كول أوف ديوتي"، إلا أن رد الفعل في اليابان كان أكثر حدة نظرًا للمكانة الخاصة التي يحتلها الأنمي داخل المجتمع الياباني.
الهوية الوطنية اليابانية
وفي اليابان، لا ينظر إلى الأنمي باعتباره مجرد صناعة ترفيهية، بل يعد أحد أبرز رموز القوة الناعمة والهوية الثقافية الوطنية. ولذلك أثار استخدام هذه الأعمال في سياقات سياسية وعسكرية حساسة استياءً واسعا بين الجمهور وصناع المحتوى على حد سواء، بحسب صحيفة "The Japan Times".
وفي هذا السياق، أطلقت نانا سوزوكي، وهي مواطنة يابانية تبلغ من العمر 34 عامًا، عريضة إلكترونية في مارس الماضي تطالب الحكومة باتخاذ موقف أكثر صرامة لحماية أعمال الأنمي من الاستغلال السياسي، وتمكنت العريضة من جمع أكثر من 24 ألف توقيع.
وقالت "سوزوكي" إنها تشعر "باستياء شديد عندما تستخدم الأعمال الفنية للتحريض على صراعات سياسية أو عسكرية أو لإثارة الجدل"، مضيفة أن على اليابان أن توضح أن استخدام هذه الصور يمثل انتهاكًا لحقوق المبدعين وأن توظيف المحتوى لأغراض سياسية أو عسكرية أمر غير مقبول.
كما برزت اعتراضات مباشرة من الشركات المالكة للحقوق. ففي مارس الماضي، أكدت شركة "بوكيمون" أن البيت الأبيض استخدم مواد تابعة لها دون الحصول على إذن مسبق. وبعدها بأيام أعلنت الجهات المرتبطة بسلسلة "يوجي يو" أن أيًا من العاملين على المانجا أو الأنمي لم يكن له أي دور أو موافقة على هذا الاستخدام.