دخلت المواجهة بين الولايات المتحدة وإيران مرحلة جديدة تتسم بحساسية بالغة، بعدما كشفت ثلاثة أيام من الاشتباكات المتبادلة هشاشة وقف إطلاق النار القائم بين الطرفين، وارتفاع مخاطر الانزلاق مجددًا إلى مواجهة واسعة النطاق، رغم حرص الجانبين على تجنب حرب شاملة.
وتشير التطورات الأخيرة إلى أن واشنطن وطهران تحاولان الحفاظ على سياسة "الضغط المتبادل" والرد على الاستفزازات العسكرية دون تجاوز الخطوط الحمراء التي قد تؤدي إلى تصعيد غير محسوب، إلا أن كثافة الاحتكاكات العسكرية تجعل احتمالات الخطأ في التقدير قائمة باستمرار، حسبما أوردت صحيفة "وول ستريت جورنال" الأمريكية.
عودة التوتر
بدأ التصعيد الأخير مع توجيه إيران ضربة مباشرة لإسرائيل، ما أدى إلى دوامة من الردود المتبادلة. وتبع ذلك إسقاط طائرة مسيّرة إيرانية لمروحية أمريكية من طراز "أباتشي"، الأمر الذي أعقبه تنفيذ الولايات المتحدة ضربات انتقامية استمرت ساعات.
وردًا على الضربات الأمريكية، شنت طهران هجمات بالصواريخ والطائرات المسيّرة استهدفت حلفاء الولايات المتحدة في منطقة الخليج والأردن.
وتُعد هذه المواجهات الأخطر منذ إعلان الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، وقفًا لإطلاق النار أبريل الماضي، أنهى نحو 40 يومًا من العمليات العسكرية الأمريكية والإسرائيلية ضد إيران.
قلب الأزمة
تركزت معظم الاحتكاكات الأخيرة حول مضيق هرمز، أحد أهم الممرات البحرية لنقل النفط في العالم، إذ تسعى الولايات المتحدة إلى فرض حصار على الموانئ الإيرانية، بينما تستخدم طهران تهديدات الطائرات المسيّرة والزوارق السريعة لعرقلة حركة الملاحة التجارية.
وأدى هذا الواقع إلى اقتراب متكرر بين الطائرات والسفن الأمريكية من الوحدات الإيرانية المنتشرة في المنطقة، ما رفع احتمالات وقوع اشتباكات غير مقصودة قد تتطور سريعًا إلى أزمة أوسع.
ونقلت الصحيفة الأمريكية عن محللين قولهم إن "الطرفين لا يديران فقط العمليات العسكرية الجارية، بل يحاولان أيضًا رسم قواعد الاشتباك الجديدة وفرض شروطهما على أي ترتيبات مستقبلية لوقف إطلاق النار".
ضغوط ورسائل
في موازاة الضغوط العسكرية، تواصل واشنطن الاعتماد على أدوات الضغط الاقتصادي، فيما لوّح ترامب بإمكان تنفيذ ضربات جديدة ضد أهداف إيرانية إذا استمرت المماطلة في المفاوضات.
وأعرب ترامب عن استيائه من تعثر المحادثات، متهمًا طهران بإطالة أمد التفاوض، مؤكدًا أنها "ستدفع الثمن" لعدم التوصل إلى اتفاق في الوقت المناسب.
في المقابل، تسعى إيران إلى استعادة قوة الردع التي تضررت خلال الحرب الأخيرة، مستفيدة من قدرتها على تهديد الملاحة في مضيق هرمز والمنشآت النفطية في منطقة الخليج، ما يمنحها أوراق ضغط إضافية في مواجهة خصومها.
سوء تقدير
حذّر خبراء من أن أخطر ما في المرحلة الحالية ليس نية الطرفين الذهاب إلى الحرب، بل احتمال وقوع أخطاء ميدانية تؤدي إلى تصعيد غير مقصود.
فالعقيدة العسكرية الإيرانية تمنح قادة الوحدات الميدانية التابعة للحرس الثوري هامشًا واسعًا للتحرك واتخاذ القرار، ما يزيد احتمالات تنفيذ عمليات قد لا تكون منسقة بالكامل مع القيادة السياسية في طهران.
كما أن حادث استهداف المروحية الأمريكية اقترب من أحد الخطوط الحمراء التي حددتها الإدارة الأمريكية، المتمثلة في مقتل جنود أمريكيين خلال فترة الهدنة، ما كان يمكن أن يؤدي إلى انهيار وقف إطلاق النار بالكامل.
تعثر المسار الدبلوماسي
على الصعيد السياسي، لم تحقق جهود الوساطة تقدمًا ملموسًا حتى الآن، إذ لا تزال الخلافات قائمة بشأن توقيت تخفيف العقوبات عن إيران وطبيعة القيود المفروضة على برنامجها النووي.
ويتمثل الهدف الحالي للمفاوضات في التوصل إلى تفاهم أوليّ يوقف القتال، ويعيد فتح مضيق هرمز أمام الملاحة التجارية، ويمهد الطريق لمناقشة الملفات الأكثر تعقيدًا.
ومع استمرار الجمود الدبلوماسي، يبقى الطرفان عالقين في حالة من الصراع منخفض الحدة، فلا الولايات المتحدة مستعدة لتقديم تنازلات كبيرة، ولا إيران راغبة في الظهور بمظهر المتراجع.