تشهد الأزمة المرتبطة بإيران وإسرائيل والولايات المتحدة، مرحلة جديدة من التعقيد؛ في ظل تبادل الضربات بين طهران وتل أبيب، وتزايد الضغوط الأمريكية لاحتواء التصعيد، وبينما يؤكد الرئيس الأمريكي دونالد ترامب أنه صاحب القرار في ملفات الشرق الأوسط، تتزايد المؤشرات على وجود تباين متنامٍ بين أولويات واشنطن وتل أبيب بشأن مسار المواجهة ومستقبل الهدنة.
رسائل ترامب
بحسب صحيفة "ذا تليجراف" البريطانية، أكد دونالد ترامب أنه صاحب القرار في الشرق الأوسط في وقت كانت فيه إسرائيل وإيران منشغلتين بتبادل إطلاق النار، ومع إدراكه أن الهدنة الهشة مع طهران تتجه نحو الانهيار، أجرى اتصالات متعددة مع صحفيين لنقل رسائله بشأن الأزمة.
ووجه ترامب انتقادًا محدودًا لإيران عقب إطلاقها وابلًا من الصواريخ الباليستية على أهداف داخل إسرائيل، ليلة الأحد، مستخدمًا قناة "فوكس نيوز" للدعوة إلى وقف التصعيد والعودة إلى طاولة المفاوضات وإبرام اتفاق.
وبحسب الطريقة التي عرض بها الموقف، رأى ترامب أن الرد الإيراني جاء بعد قرار رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو تنفيذ ضربات على الضواحي الجنوبية لبيروت في وقت سابق من اليوم، رغم ضغوط أمريكية سابقة لعدم القيام بذلك.
دبلوماسية ترامب العلنية
اعتبر ترامب أن جولة واحدة من الرد المتبادل كانت كافية، وقال لموقع "أكسيوس" إن أي رد إسرائيلي إضافي قد يؤدي إلى دوامة متصاعدة من الانتقام يصعب احتواؤها، وأضاف أن إسرائيل نفذت ضربتها وإيران نفذت ردها، ولا حاجة إلى ضربة جديدة.
ووجه الرئيس الأمريكي معظم ضغوطه نحو إسرائيل، مؤكدًا أن نتنياهو سيقبل في النهاية اتفاقًا مع إيران، كما قال لصحيفة "فايننشال تايمز" إنه هو من يتخذ القرارات كلها، وليس نتنياهو.
ورغم انتقاداته المتكررة لوسائل الإعلام الرئيسية، أظهرت تحركات ترامب أنه استخدم المنابر الإعلامية كوسيلة لممارسة دبلوماسية علنية وتضخيم رسائل كان من المرجح أن ينقلها بصورة أكثر مباشرة خلال الاتصالات الخاصة.
عقبة نتنياهو
أصبح نتنياهو، بالنسبة لإيران والولايات المتحدة، العقبة الرئيسية أمام التوصل إلى اتفاق تعثر الجانبان في إنجازه منذ التوصل إلى هدنة قبل شهرين، وعلى الرغم من خوض واشنطن وتل أبيب الحرب معًا، فإن التباين في الأولويات بين الطرفين بات أكثر وضوحًا.
يسعى ترامب إلى الخروج من صراع يرى أنه لم يسر وفق الخطة، ويخشى أن يؤدي استمرار الأزمة إلى اضطرابات دائمة في الاقتصاد العالمي إذا تراجعت مخزونات النفط العالمية إلى مستويات خطيرة.
كما لا يرغب الرئيس الأمريكي في العودة إلى حرب واسعة النطاق بينما تستعد الولايات المتحدة لاستضافة كأس العالم 2026، وبالنسبة للفائز بجائزة السلام من الاتحاد الدولي لكرة القدم، فإن العودة إلى الحرب لا تمثل الصورة التي يسعى إلى ترسيخها.
أولويات متباعدة
عندما بدأت الحرب في 28 فبراير، تفاخر نتنياهو بأن الولايات المتحدة وإسرائيل تقاتلان معًا للمرة الأولى، لكن مع انتقال الصراع إلى مرحلة هدنة غير مستقرة، وجد نفسه بعيدًا عن مركز الأحداث ومتابعًا لمسار لم يعد قادرًا على التحكم الكامل فيه.
وترى "ذا تليجراف" أن اختلاف الأولويات بين نتنياهو وترامب أصبح أمرًا يصعب تجاهله، فالرئيس الأمريكي يركز على قضية مضيق هرمز، بينما يولي نتنياهو أهمية أكبر للصواريخ الباليستية الإيرانية والبرنامج النووي الإيراني والتهديد الذي يمثله حزب الله اللبناني.
كما تراجعت رغبة واشنطن في منح نتنياهو حرية واسعة للتحرك، ففي البداية دعمت الولايات المتحدة الموقف الإسرائيلي القائل إن الهدنة لا تشمل الساحة اللبنانية، وهو موقف رفضته إيران وحتى باكستان التي توسطت في الاتفاق.
ونفد صبر ترامب مع تصاعد إصرار إيران على استحالة التوصل إلى اتفاق دائم مع واشنطن بينما تواصل إسرائيل عملياتها في لبنان، وبلغ التوتر ذروته عندما أعلن نتنياهو عزمه استهداف مواقع في الضواحي الجنوبية لبيروت التي يسيطر عليها حزب الله.
ومع تهديد إيران بالرد الفوري، تدخل ترامب بصورة مباشرة عبر مكالمة هاتفية وصفت بأنها متفجرة مع نتنياهو، وخلالها شكك في جدوى إستراتيجيته، وذكره بالدعم الأمريكي، وحذره من تزايد عزلة إسرائيل على الساحة الدولية.
وأدى ذلك إلى تراجع نتنياهو مؤقتًا، الأمر الذي أثار غضب متشددين داخل ائتلافه الحاكم، واتهموه بتحويل إسرائيل إلى دولة تابعة للولايات المتحدة.
خيارات صعبة
تواجه القوات الإسرائيلية حاليًا خصمًا أضعف لكنه أكثر قدرة على التكيف، يعتمد على طائرات هجومية منخفضة التكلفة لإلحاق خسائر مستمرة، ويخشى بعض الإستراتيجيين من تحول المعركة إلى استنزاف طويل من دون نتائج حاسمة.
وفي المقابل، فإن الاستجابة الكاملة لضغوط ترامب تحمل مخاطر أيضًا، إذ قد تفسرها طهران على أنها نجاح في فرض معادلة ردع جديدة تحد من حرية إسرائيل في التعامل مع حزب الله مستقبلًا.
وحسب "يديعوت أحرونوت"، لا يرغب نتنياهو في إغضاب واشنطن في وقت تشهد فيه العلاقات الأمريكية الإسرائيلية مستويات عالية من التقارب، لكن اقتراب الانتخابات وتعقيدات الملف الأمني قد تجعله غير قادر على إرضاء ترامب بالكامل، ما يبقي مستقبل اتفاق السلام الذي يسعى إليه الرئيس الأمريكي مرتبطا إلى حد كبير بقرارات نتنياهو.