لم يكن نجيب الريحاني مجرد ممثل كوميدي نجح في رسم الضحكة على وجوه الجماهير، بل صاحب مدرسة حقيقية وظاهرة فنية استثنائية أعادت تشكيل ملامح المسرح والكوميديا في مصر والعالم العربي.
في مثل هذا اليوم قبل 77 عامًا رحل عن عالمنا الفنان نجيب الريحاني، الذي خرج من أزقة حي باب الشعرية في القاهرة، حاملا معه هموم البسطاء إلى خشبة المسرح، وحوّل الضحك إلى أداة للنقد الاجتماعي والتعبير عن آلام الناس وأحلامهم.
ورغم مرور أكثر من سبعة عقود على رحيله، ما زال "الضاحك الباكي" حاضرًا في الوجدان العربي بأعماله الخالدة وشخصياته التي تجاوزت حدود الزمن، ليبقى واحدًا من أبرز رموز الفن المصري وأكثرهم تأثيرًا في تاريخ المسرح والسينما.
النشأة والبدايات
رغم أصوله العراقية لأب كان يعمل تاجرًا للخيول، فإن نجيب الريحاني وُلد وعاش في مصر، حيث خرج من حارة مصطفى بحي باب الشعرية بالقاهرة، عام 1889، ونشأ في بيئة شعبية تركت أثرًا واضحًا على شخصيته الفنية، فاستطاع لاحقًا أن يجسد المواطن البسيط بكل تفاصيله وأحلامه وهمومه.
تلقى الريحاني تعليمه في مدرسة الفرير بالخرنفش، حيث أتقن اللغة الفرنسية، كما أبدى اهتمامًا بالأدب العربي والشعر وتاريخ الشعراء، وهناك اكتشف أستاذه الشيخ بحر موهبته في الإلقاء والتمثيل، فشجعه على المشاركة في العروض المسرحية المدرسية، لتبدأ رحلته مع الفن مبكرًا.
كان شغفه بالمسرح أقوى من عمله كموظف في البنك الزراعي بالقاهرة، خاصة بعد تعرّفه إلى الفنان عزيز عيد الذي شاركه حب الفن والتمثيل، فكانت أولى خطواته المسرحية من خلال المشاركة في رواية "الملك يلهو" التي ترجمها الأديب أحمد كمال رياض.
من الوظيفة إلى خشبة المسرح
في عام 1908 انضم الريحاني إلى فرقة عزيز عيد المسرحية، وانشغل بالفن إلى درجة أثّرت على عمله الرسمي، لينتهي الأمر بفصله من البنك الزراعي. وبعدها تنقل بين عدة فرق مسرحية، فالتحق بفرقة سليم عطا الله في الإسكندرية، ثم عاد لفترة إلى العمل في شركة السكر بنجع حمادي، قبل أن يعود مجددًا إلى المسرح الذي ظل حلمه الأول.
كما عمل مع فرقة الشيخ أحمد الشامي الجوالة ممثلًا ومعرّبًا للروايات الفرنسية، واكتسب خبرات واسعة أهلته لاحقًا لتأسيس مشروعه المسرحي الخاص.
وشهد عام 1916 نقطة تحول فارقة في حياة الريحاني الفنية، عندما قدّم شخصية "كشكش بيه" للمرة الأولى، وهي الشخصية التي ارتبطت باسمه وأصبحت علامة مميزة في تاريخ الكوميديا المصرية.
جسّد الريحاني من خلالها شخصية العمدة الريفي الثري الذي يواجه الحياة الحديثة بمواقف طريفة ومفارقات ساخرة، فحقق نجاحًا جماهيريًا كبيرًا، وأصبحت الشخصية جزءًا من الثقافة الشعبية المصرية، كما أسهمت في ترسيخ مكانته كأحد أهم نجوم الكوميديا في العالم العربي.
وقدّم عبر هذه الشخصية العديد من الأعمال الناجحة، من بينها "كشكش بيه في باريس" و"وصية كشكش" و"ابقى قابلني"، التي حققت نجاحًا كبيرًا لدى الجمهور.
شراكة صنعت تاريخًا
ارتبط اسم نجيب الريحاني بالمؤلف والشاعر الكبير بديع خيري، الذي أصبح شريك نجاحه ورفيق رحلته الفنية حتى النهاية، وشكّل الثنائي واحدة من أهم الشراكات في تاريخ المسرح المصري، حيث قدّما أعمالًا تناولت قضايا المجتمع المصري بأسلوب ساخر يجمع بين الإمتاع والرسالة.
وانضم إلى هذه المنظومة الفنية عدد من كبار المبدعين، من بينهم حسين شفيق المصري، وكامل شامبير، والشيخ سيد درويش، لتتحول فرقة الريحاني إلى واحدة من أهم الفرق المسرحية في مصر خلال النصف الأول من القرن العشرين.
لم يكن الريحاني ينظر إلى الفن باعتباره وسيلة للشهرة أو الثراء، بل كان يؤمن بأن المسرح رسالة سامية يجب أن تخدم المجتمع وترتقي بذوق الجمهور.
وعندما نصحه الأطباء عام 1942 بالابتعاد عن المسرح لمدة ستة أشهر بسبب حالته الصحية، رفض ذلك قائلًا: "خير لي أن أقضي نحيبي فوق المسرح، من أن أموت على فراشي".
كما عُرف بحرصه الشديد على جودة أعماله، وكان يرفض تقديم عروض ضعيفة أو غير مكتملة، حتى لو ترتب على ذلك خسائر مادية أو تراكم الديون عليه، مؤمنًا بأن احترام الجمهور أهم من أي مكسب آخر.
ورغم شهرة نجيب الريحاني كممثل، إلا أنه كان يمتلك موهبة كبيرة في التأليف، حيث ألّف نحو 42 عملًا بين السينما والمسرح مثل "السكرتير الفني"، "30 يوم في السجن"، "دلع البنات"، "العائلة الكريمة"، وغيرها الكثير.
لم تقتصر أعمال الريحاني على الجانب الكوميدي فقط، بل حملت العديد من الرسائل الوطنية والاجتماعية، فقد استخدم المسرح كمنبر لمواجهة الاستعمار البريطاني وانتقاد الظلم الاجتماعي، وتحولت بعض عروضه إلى أعمال وطنية أثارت إعجاب الجماهير وأزعجت سلطات الاحتلال.
وكان يؤمن بأن الفن يمكن أن يكون سلاحًا للتغيير والتنوير، لذلك جاءت أعماله قريبة من الناس ومعبرة عن قضاياهم الحقيقية.
ولم يقتصر نجاح نجيب الريحاني على مصر فقط، بل امتد إلى العديد من الدول العربية والأجنبية، حيث جابت فرقته بلاد الشام وفرنسا وتونس والجزائر والمغرب وعددًا من دول أمريكا الجنوبية.
كما حظي بتقدير شخصيات بارزة على المستويين المحلي والعالمي، فقد أشاد به السير سيمور هيكس، عميد المسرح الإنجليزي، واعتبره من نجوم الصف الأول عالميًا، كما نال احترام شخصيات مصرية بارزة مثل طلعت حرب وسعد زغلول وهدى شعراوي.
نجيب الريحاني والسينما
رغم أن المسرح ظل حبه الأول، فإن نجيب الريحاني ترك بصمة كبيرة في السينما المصرية. وكانت بدايته السينمائية من خلال فيلم "ياقوت"، إلا أنه لم يكن راضيًا عن التجربة بسبب ظروف إنتاجه.
ثم قدّم فيلم "بسلامته عاوز يتجوز"، لكنه اعتبره أقل من طموحاته الفنية، قبل أن يحقق نجاحًا كبيرًا مع فيلم "سلامة في خير"، الذي شكّل نقطة تحول حقيقية في مشواره السينمائي.
بعد ذلك توالت النجاحات من خلال أفلام أصبحت من كلاسيكيات السينما المصرية، مثل "سي عمر"، و"أبو حلموس"، و"لعبة الست"، و"أحمر شفايف"، و"سلامة في خير".
"غزل البنات".. العمل الخالد
يظل فيلم "غزل البنات" أشهر أعمال نجيب الريحاني السينمائية وأكثرها تأثيرًا في تاريخ السينما العربية. وشارك في بطولته إلى جانب ليلى مراد ومحمد عبد الوهاب وأنور وجدي، وقدم من خلاله شخصية الأستاذ حمام التي تُعد من أبرز الشخصيات في تاريخ السينما المصرية.
حقق الفيلم نجاحًا استثنائيًا منذ عرضه الأول، واستمر حضوره عبر الأجيال، حتى تم اختياره ضمن قائمة أفضل مائة فيلم في تاريخ السينما المصرية، كما اعتبره العديد من النقاد والفنانين من أهم الأفلام العربية على الإطلاق.
صفعة محمد عبد الوهاب
ارتبط نجيب الريحاني بعلاقة صداقة قوية بالموسيقار محمد عبد الوهاب، الذي اعتبره أستاذًا وصديقًا. وقد روى عبد الوهاب في مذكراته موقفًا مؤثرًا جمعه بالريحاني عندما كان طفلًا يعمل ضمن فرقته المسرحية.
وخلال أحد العروض نسي عبد الوهاب جملته على المسرح، فاستشاط الريحاني غضبًا وصفعه أمام الجمهور، لكنه عاد بعد انتهاء الفصل الأول واحتضنه معتذرًا قائلًا: "أنا على المسرح أنسى نفسي وعواطفي وكل شيء إلا فني".
وظل عبد الوهاب يروي هذه الواقعة باعتبارها درسًا مهمًا تعلّم منه معنى الالتزام والانضباط واحترام العمل الفني.
رحيل
في الثامن من يونيو عام 1949 رحل نجيب الريحاني عن عالمنا، بعد رحلة حافلة بالعطاء الفني والإنساني، لكنه ترك وراءه إرثًا ضخمًا ما زال حاضرًا حتى اليوم.
ورغم مرور عقود طويلة على رحيله، فإن أعماله لا تزال تُعرض وتحقق نسب مشاهدة مرتفعة، كما ما زالت شخصياته ومواقفه الفنية مصدر إلهام للأجيال الجديدة من الفنانين.
لقد نجح نجيب الريحاني في أن يحوّل الكوميديا من مجرد وسيلة للترفيه إلى فن راقٍ يناقش قضايا المجتمع ويعبّر عن الإنسان، ليظل اسمه محفورًا في تاريخ الفن العربي باعتباره أحد أعظم رواده وأكثرهم تأثيرًا وخلودًا.