في الغابات الشرقية لـفنلندا، وعلى مقربة من الحدود الروسية، نفذت قوات حلف شمال الأطلسي مناورات عسكرية واسعة حملت اسم النجم الشمالي، بمشاركة آلاف الجنود من عدة دول، وذلك لتقديم صورة عملية للتحديات التي تواجهها الجيوش الحديثة في ظل تصاعد دور الطائرات المسيّرة والأنظمة المدعومة بالذكاء الاصطناعي.
تحولات القتال
وجرى تنفيذ هجومين ضمن مناورات "النجم الشمالي" التي شارك فيها خمسة آلاف جندي من سبع دول، بينها بريطانيا، في منطقة كاينو شرقي فنلندا، وأظهرت التدريبات ما قد يواجهه الحلف في أي مواجهة مستقبلية إذا لم يواكب التحولات المتسارعة في أساليب الحرب الحديثة.
ووفقًا لصحيفة "ذا تليجراف" البريطانية، يواجه حلف الناتو تحديًا متزايدًا يتمثل في التكيف مع ساحات قتال تهيمن عليها الطائرات المسيّرة المدعومة بالذكاء الاصطناعي، القادرة على رصد واستهداف الدبابات والمركبات العسكرية بسرعة كبيرة.
وأكد قادة عسكريون للصحيفة أن على الحلف مواكبة التطورات المتسارعة في الحرب البرية لمواجهة روسيا، وسط مخاوف من إمكانية تعرض دول البلطيق للخطر إذا استمر بطء إعادة التسلح الأوروبية، ويشمل ذلك تسريع شراء الطائرات المسيّرة وتوسيع قدرات إنتاجها وتطوير مركبات عسكرية ذاتية التشغيل.
ورغم استمرار قناعة المخططين العسكريين بأهمية الدبابات، فإن الحرب في أوكرانيا أثارت تساؤلات حول قدرتها على الصمود، إذ أصبحت أوكرانيا ساحة شهدت خسائر واسعة للدبابات والمركبات المدرعة نتيجة الطائرات المسيّرة والألغام والصواريخ.
خسائر أوكرانيا
بحسب الجيش الأوكراني، خسرت روسيا نحو 11974 دبابة و25 ألف مركبة مدرعة منذ بدء الغزو الشامل، فيما خسرت كييف نحو 5700 دبابة ومركبة مدرعة نتيجة الهجمات بالطائرات المسيّرة والألغام والصواريخ.
وشملت الخسائر دبابة القتال البريطانية الرئيسية تشالنجر 2، التي أُهديت إلى أوكرانيا ودُمرت عام 2023 بعد اصطدامها بلغم، رغم أنها كانت تُعد من أقوى الأسلحة في ترسانة الجيش البريطاني.
وفي مختلف أنحاء أوكرانيا، تمثل الطائرات المسيّرة أكثر من 90% من خسائر ساحة المعركة، فيما تشكل الدبابات والمركبات المدرعة النسبة الأكبر من تلك الخسائر، ما دفع دول الحلف إلى البحث عن وسائل دفاعية جديدة لمواجهة هذا التهديد.
شهادات ميدانية
وخلال السيناريو التدريبي، أكد جنود بريطانيون شاركوا في اختبار أسطول الجيش الجديد من الطائرات المسيّرة أن الحاجة أصبحت ملحة لتسريع نشر هذه الأنظمة، بما يسهم في الاستعداد لأي صراع محتمل مع روسيا ويوفر حماية إضافية للمركبات المدرعة.
ويُعد موقع مناورات النجم الشمالي من المناطق التي يُرجح أن تكون ضمن الأهداف الأولى لأي تحرك روسي محتمل، وكان رئيس الاستخبارات الفنلندية قد حذر من سعي الرئيس الروسي فلاديمير بوتين إلى زيادة عدد القوات قرب الحدود الفنلندية الروسية.
وتمتد الحدود المشتركة بين فنلندا وروسيا لنحو 830 ميلًا، ما يجعلها الأطول بين جميع أعضاء حلف شمال الأطلسي، وتشكل هذه الحدود الجزء الأكبر من الجناح الشرقي للحلف.
وحذر اللواء بيكا تورونين من أن الكرملين يسعى إلى تسريع حشد قواته العسكرية على الحدود الفنلندية، وخلال الأشهر الماضية استثمرت موسكو في تجديد حامية تعود إلى الحقبة السوفيتية في بتروزافودسك على بعد نحو 100 ميل من فنلندا.
وتشير التقديرات إلى أن الموقع سيضم الفيلق الرابع والأربعين المكون من نحو 15 ألف جندي، فيما أظهرت صور أقمار صناعية نشرتها وسائل إعلام فنلندية دخول مركبات عسكرية إلى القاعدة، كما تتمركز تشكيلات عسكرية أخرى قرب فنلندا، وقد يصل العدد الإجمالي للقوات إلى نحو 50 ألف جندي، مع احتمال أن يكون العدد الفعلي أقل بسبب الخسائر في أوكرانيا.
سباق المسيّرات
يمتلك الجيش البريطاني حاليًا نحو ستة آلاف طائرة مسيّرة، إلا أن التقديرات تشير إلى إمكانية نفاد هذا المخزون خلال أسبوع واحد فقط في حال اندلاع حرب مع روسيا، ما دفع الجنود للمطالبة بتسريع وتيرة التوريد.
ولمواجهة التهديد الروسي، أنشأ حلف الناتو خط الردع على الجناح الشرقي الممتد من فنلندا إلى رومانيا، ويعتمد هذا الخط على أنظمة استهداف مدعومة بالذكاء الاصطناعي وأنظمة مستقلة قادرة على التعامل مع القوات والمركبات المهاجمة.
ورغم أن قوام الجيش الفنلندي النظامي يبلغ نحو 24 ألف جندي فقط، فإن البلاد تمتلك واحدة من أكبر قوات الاحتياط داخل الحلف، إذ يصل عدد جنود الاحتياط إلى نحو 900 ألف شخص، مع إمكانية حشد 280 ألف جندي بسرعة عند الحاجة.
وتكون الخدمة العسكرية إلزامية لجميع الرجال عند بلوغ الثامنة عشرة، فيما تبقى اختيارية للنساء، وتتراوح مدة الخدمة بين ستة وتسعة واثني عشر شهرًا وفقًا لطبيعة التدريب المخصص للمجندين.