الموقع الرسمي | القاهرة الاخبارية
‌

أحمد بهاء الدين ومصطفى نبيل.. "عشرة عمر" بين الأستاذ والتلميذ

  • مشاركة :
post-title
أحمد بهاء الدين ومصطفى نبيل

القاهرة الإخبارية - خيري حسن

في صباح يوم الجمعة 23 فبراير 1990 قام الكاتب الصحفي ـ النبيل ـ كما يحب أن يناديه العديد من المثقفين المصريين والعرب مصطفى نبيل رئيس تحرير ثلاثية الهلال الثقافية الشهيرة في عصرها الذهبي "مجلة الهلال وكتاب الهلال ورواية الهلال"، قام من نومه وأمسك بسماعة الهاتف الأرضي وطلب رقم أستاذه ومعلمه وصديقه وعشرة عمره الكاتب الصحفي أحمد بهاء الدين ـ كان يسكن في 11 شارع هارون ـ الدقي ـ بمحافظة الجيزة ـ ليضمئن على صحته التي أرهقت بشدة خلال الـ48 ساعة الماضية وهو ـ أي بهاء الدين ـ يجمع توقيعات لبيان أطلق عليه وقتها بـ"بيان جريمة العصر"، الذي جاء ردًا على إحدى جرائم العصر الكبري بكل المعايير وهي نقل نحو نصف مليون يهودي روسي إلى إسرائيل ليشغلوا الضفة الغربية وتساءل في يومياته (27 يناير 1990) قائلًا: "ألسنا شركاء في جريمة العصر؟".. وظل في مكتبه بالأهرام لعدة أيام يستقبل الزوار لتوقيع البيان، الذى نشر في صحيفة أخبار اليوم (مصطفى نبيل حاول المساعدة في التخفيف عنه عبء إنجاز البيان وجمع التوقيعات عليه) وقد كان! 

هذه الواقعة تذكرتها وأنا في طريقي في بداية عام 2011 إلى بيت مصطفى نبيل، الذي يقع على أطراف ميدان الرماية ـ أول طريق الإسكندرية الصحراوي ـ لإجراء حديث صحفي معه نشر في حينه. وقرأتها في كتاب مصطفى نبيل الصادر عن دار الهلال ـ عدد أبريل 2008 ـ وعندما وصلت إليه دار الحديث بيننا ـ أو على الهامش من اللقاء عن أحمد بهاء الدين ـ وعلاقته الممتدة معه منذ آواخر الخمسينيات عندما ذهب إليه في صحيفة كان اسمها (الشعب) ليعمل معه في الصحافة. 

أحمد بهاء الدين ومصطفى نبيل

في هذا اللقاء مع مصطفى نبيل عرضت عليه ـ ووافق ـ كتابة مقال أسبوعي في صحيفة الوفد المصرية (كان الكاتب الصحفي سليمان جودة وقتها رئيسًا لتحريرها) واتفقنا على يوم النشر والمساحة، التي يريدها وموعد أول مقال سيرسله للصحيفة ثم دار الحديث عن علاقة التلميذ بأستاذ من القاهرة إلى الكويت حيث تنقل معه في دروب المؤسسات الصحفية هنا وهناك.

ونعود إلى صباح الجمعة 23 فبراير 1990، عندما اتصل مصطفى نبيل بأحمد بهاء الدين ـ وهو آخر شخص في الوسط الصحفي والسياسي تحدث معه عبر الهاتف، إذ قال له: "إني متعب.. إني مضعضع"! وعن هذا اليوم سألت مصطفى نبيل فقال: "اتصلت به في الصباح.. حتى أتابع حالته الصحية التي تدهورت في الساعات والأيام التي قبلها فقال إنه متعب جدًا فطلبت منه ألا يرهق نفسه كثيرًا فقال إذن عليك ـ يقصد مصطفى نبيل ـ أن تذهب بالبيان إلى أخبار اليوم لنشره بعدما رفض الأهرام ـ طبقًا لسياستها التحريرية - نشره كما قيل وقتها ـ واتفقنا على ذلك ووضعت السماعة وجلست أشرب فنجان قهوة وأفكر في حالة الأستاذ الصحية المتدهورة وعدم قدرته على الابتعاد عن التوتر والقلق ومتابعة الأحداث السياسية المتتابعة والمتتالية والمزعجة محليًا وعربيًا، التي زادت بهجرة اليهود السوفيت للأراضي الفلسطينة وهي الهجرة التي اعتبرها بهاء الدين (جريمة العصر).

وواصل مصطفى نبيل ذكرياته قائلًا: "بعد دقائق رن الهاتف في بيتي حيث جاء صوت زوجته ديزي، قائلة: "أستاذ مصطفى.. بسرعة تعال بهاء حالته تدهورت جدًا" فأسرعت إلى بيته وقمنا بنقله إلى المستشفى بعدما تجددت إصابته بالجلطة ـ كانت إصابته من قبل في عام 1975 ـ وتسببت هذه المرة في صمته الدائم الذي ظل عليه ما يقرب من 6 سنوات حتى غادر الدنيا 24 أغسطس 1996.

أحمد بهاء الدين وفاتن حمامة

قلت لمصطفى نبيل كيف عرفت بهاء الدين؟ رد: عرفته عام 1958 عندما وجدت نفسي أريد العمل في الصحافة وكان وقتها يعمل رئيسًا لتحرير صحيفة اسمها الشعب ـ مقرها في شارع قصر العيني وسط القاهرة ـ ووجدت في كتاباته والصحافة التي يقدمها أسلوبًا جديدًا ورؤية خاصة ونغمة مختلفة عما هو سائد في الصحافة المصرية والعربية. وقتها اتخذت قراري بالعمل معه دون سابق معرفة وبالفعل ذهبت إليه في الصحيفة واستقلبني بود وكأنه يعرفني من زمان. وعندما اقتربت منه وجدته إنسانًا نادرًا في طباعه وأخلاقه وكاتبًا من نوع فريد في كل شيء على المستوى المهني والمستوى الإنساني ثم انضمت بعد ذلك صحيفة الشعب ـ أو بمعنى أدق دمجت ـ في مؤسسة التحرير للطبع والنشر (صحيفة الجمهورية) ثم انتقل بهاء إلى دار أخبار اليوم، وقال لي عليك العمل على ثلاثة ملفات - كأنها اختبار لي - عن الإصلاح الزراعي والحركات العمالية والجمعيات التعاونية (كان وقتها مسافرًا خارج البلاد)، وعندما عاد كتب بنفسه طلبًا إلى جلال الحمامصي ليعينني في أخبار اليوم لكنه رفض الطلب ورغم ذلك ظلت علاقتي به كتلميذ يحب ويقدر أستاذه. قلت وماذا فعل عندما رفضت أخبار اليوم تعينك؟ رد: "عندما عاد من سفره عزمني على فنجان قهوة في بيته (قال لزوجته قبل مجيئي سيأتي يشرب معي الشاي صديق.. تخيل)؟! وذهبت بالفعل ووجدت في هذا اللقاء لويس جريس وأحمد عبدالمعطي حجازي والرسام بهجت عثمان وعددًا من كبار الصحفيين".

يكمل مصطفى نبيل كلامه: "كان أحمد بهاء الدين ـ طيلة عشرتي معه في العمل بعدما عُينت محررًا للشؤون العربية في وكالة أنباء الشرق الأوسط ـ قريبًا من قلبي وعقلي وفكري وانتقلت معه إلى دار الهلال عام 1964 ـ وسافرت معه للعمل في مجلة العربي الكويتية عندما كان رئيسًا لتحريرها. ويؤكد مصطفى نبيل على شخصية بهاء الدين وجمالها المهني والإنساني، قائلًا: "كان لا يرى أي مطبوعة صحفية تحقيقًا أو مقالًا لأحد أبناء الجيل الجديد، إلا ويبحث عن رقمه ويتصل به ويظهر إعجابه بما كتب وكان هذا سر من أسرار عبقريته على المستوى المهني" (الدكتور جلال أمين الكاتب والمفكر المصري كتب عن سر عبقرية شخصيته في مجلة الهلال - ضمن ملف عنوانه - صباح الخير.. أحمد بهاء الدين عام 1993، قائلًا: "سر عبقرية أحمد بهاء الدين تتمثل في أنه كان يتمتع بصفة هي الصفة النادرة حقًا بين الموهوبين من الناس وهي عدم تضخم النفس وعدم المبالغة في تقدير الذات"، ثم يقول جلال أمين وهو في ذلك يتفق مع مصطفى نبيل: "يأتي السبب الرئيسي في الاجماع عليه هو تشجيعه للموهوبين من غير المشهورين وإفساح الشهرة أمامهم والشعور بالفرحة الحقيقة لدى رؤية نجاحهم ومساهمتهم في النفع العام".

عدت إلى مصطفى نبيل الذي قال: "إذا بحثنا عن عبقرية أحمد بهاء الدين ستجد أنه كان يجمع بين الوطنية والمعرفة بمزيج بين الحس الوطني العالي والإنساني مع القدرة الكبيرة على النظر إلى المستقبل بوعي وفهم وعمق ونفاذ وكل ذلك كان يحدث بحس إنساني لن تجده كثيرًا في الوسط الصحفي" في هذه الأيام!".

أحمد بهاء الدين

ويؤكد الدكتور عاصم الدسوقي أستاذ التاريخ الحديث والمؤرخ المصري على أن بهاء الدين كان يؤمن "بأن تاريخ أي شعب من الشعوب عبارة عن حلقات متصلة بصرف النظر عن اختلاف درجة المد والجزر بين هذه الحلقات من حيث تغيير النظام السياسي، إذ يبقى الشعب الوقود الأساسي لحركة التاريخ"، وعن حركة التاريخ يؤكد مصطفى نبيل: "كانت هناك محاور فكر عبر عنها بهاء الدين بالكتابة والقول منها. الوطنية الصافية، والاستقلال حتى ولو كان شاقًا لكنه يأتي دائمًا بالحرية.. وكان يؤمن بالقضايا الاجتماعية حيث لا ينهض الوطن في ظل الفقر ولذلك من الضروري والحتمي زيادة الإنتاج وتحديث المجتمع وعدالة التوزيع بين فئات الشعب".

قلت وكيف كانت حياته في الغربة حيث عمل في الكويت في مجلة العربي وكنت معه في هذه التجربة؟

رد وهو يبتسم: "في منتهى البساطة وكان يؤمن بأن الجمال ليس في القوة ولا في المال.. فالجمال في صور الحياة البسيطة المتعددة.. وكان يكلفني أحيانًا بدفع تكاليف الفندق -من جيبه الخاص- لبعض الزملاء الذين يزورون الكويت من القاهرة دون أن أخبرهم ولا يعرفون إلا عند السفر والعودة للقاهرة!".

عاش الكاتب الصحفي المصري أحمد بهاء الدين - كما يقول تلميذه مصطفى نبيل - يؤمن بأعمال العقل وبالعروبة (إيمان عميق ومتجذر بداخله) ولم يتزحزح عن هذا الإيمان قيد أنملة حتى دخل في محنة المرض ثم وفاته.

وفي نهاية اللقاء مع مصطفى نبيل غادرت بيته على وعد بالاتصال به بعد فترة ليبدأ كتابة مقاله الأسبوعي كما اتفقنا في اللقاء. وفي اليوم المتفق عليه بيننا- وللصدفة كان يوم إثنين ـ وهذا من تصاريف القدر ـ اتصلت ليرسل لي المقال ـ وكان بجواري الكاتب الصحفي سليمان جودة ينتظر - (لاحظ المفارقة هنا بين اتصالي بمصطفى نبيل وبين اتصال مصطفى نبيل بأحمد بهاء الدين أيضًا والفرق بينهما 18 سنة تقريبًا) فردت زوجته قائلة: "الدوام لله.. مصطفى مات منذ ساعات".. أعمار!

المصادر:

مجلة الهلال - عدد فبراير - 1993

مجلة الهلال - عدد أكتوبر - 1996

كتاب - في صحبة أحمد بهاء الدين - مصطفى نبيل - كتاب الهلال- أبريل 2008.