يواجه الآلاف من مرضى السرطان في قطاع غزة أوضاعًا صحية متدهورة في ظل نقص حاد في الأدوية والمستلزمات الطبية، وتعثر فرص السفر لتلقي العلاج خارج القطاع، لتتسع معاناتهم مع المرض في ظروف بالغة الصعوبة.
قصة معاناة
وسلطت صحيفة "ذا تليجراف" البريطانية، الضوء على معاناة إحدى مصابي السرطان في غزة، مشيرة إلى أن الفلسطينية "نجاة اللوح" فُجعت بخبرين في وقت واحد؛ فبعد أن أعلمها الأطباء بأن الورم البالغ طوله سبعة سنتيمترات في ثديها الأيمن هو مرض السرطان، تلقت خبرًا آخر أكثر قسوة، إذ استشهد ابنها الأكبر عطا متأثرًا بجراح أُصيب بها في قصف إسرائيلي.
وبعد تسعة أشهر من التشخيص، ظهرت لديها خمسة أورام أخرى في صدرها وتحت إبطيها، ووصل حجم بعضها إلى حجم كرات التنس، وبدا الإرهاق واليأس واضحين عليها وهي تسلم أوراقها الطبية المتناثرة إلى ابنها خليل، البالغ من العمر 13 عامًا؛ لمساعدتها في فهمها.
انتهت الحرب في غزة بعد أسابيع قليلة من تشخيص حالتها في 17 أغسطس، عقب خطة السلام المكونة من 20 نقطة، التي طرحها دونالد ترامب، وتعهدت بإغراق القطاع بالغذاء والدواء والمعدات المنقذة للحياة، إلا أن "نجاة"، كغيرها الآلاف، لم تحصل سوى على أبسط أشكال الرعاية.
وأُدرجت نجاة على قائمة الإجلاء الطبي منذ سبتمبر، أي بعد شهر من تشخيص إصابتها، لكنها لم تتلق حتى الآن أي إشارة بشأن موعد سفرها أو إمكانية السماح لها بالمغادرة.
وقالت إن انتظار الموت أمر مرعب، مؤكدة أنها تنتظر موافقة أي دولة أو مستشفى على استقبالها، وفي المقابل، بقي مرضى آخرون على قوائم الانتظار لسنوات طويلة دون نتيجة.
واقع المرضى
تعد "نجاة" واحدة من نحو 13 ألف مريض سرطان عالقين في منطقة تكاد تخلو من الخدمات المتخصصة، فيما لا يستطيع معظمهم مغادرة القطاع للحصول على العلاج اللازم، إذ يعود ذلك إلى حصار إسرائيلي، بدأ في أوائل التسعينيات واشتد بعد اندلاع الحرب في غزة عام 2023، ومع وجود تقارير عن تشديد إضافي على المساعدات، تبدو الأوضاع مرشحة لمزيد من التدهور.
ويواجه المرضى القلائل الذين يحصلون على العلاج الكيميائي مشكلات متكررة، إذ يكون العلاج في كثير من الأحيان مخففًا أو غير مناسب لحالتهم الصحية، وقد ينفد خلال مراحل العلاج المختلفة قبل استكمال الدورة العلاجية.
وتؤدي هذه الظروف إلى معاناة قاسية، حيث يواجه بعض المرضى تشنجات لا يمكن السيطرة عليها أثناء محاولة أجسادهم التكيف مع أنظمة دوائية غير متوازنة، فضلًا عن فقدان السيطرة على بعض الوظائف الجسدية.
ويضطر المرضى الذين يحتاجون إلى نقل الدم إلى التنقل بين الخيام بحثًا عن متبرعين، بينما يغيب العلاج الإشعاعي بالكامل، وتتحول مقومات الحياة الصحية الأساسية، مثل النظافة والتغذية السليمة، إلى أمر يصعب الوصول إليه بالنسبة لكثيرين.
انتظار الموت
قال أحد المرضى إن أفضل ما يمكن أن يأمله كثير من مرضى السرطان هو الحصول على أكبر قدر ممكن من المهدئات وانتظار الموت، كما أكد الدكتور مهدي الملالي، المسؤول الطبي عن مكتب المعلومات الصحية لمنظمة أطباء بلا حدود في غزة، أن الحالات القابلة للعلاج تصبح غير قابلة للعلاج مع مرور الوقت.
وأضاف الملالي أن الفارق بين الحالة القابلة للشفاء وغير القابلة للشفاء يتسع مع كل شهر يمر دون علاج، مؤكدًا أن تجاهل الأمر ليس خيارًا ممكنًا؛ في ظل استمرار تدهور أوضاع المرضى.
من جهته، قال محمد، الأخصائي الاجتماعي في مجال الصحة النفسية بجمعية المعونة الطبية لفلسطين، إن الجمعية فقدت العديد من المرضى، وإن كل حالة وفاة تُذكِّر العاملين بحجم العجز عندما تكون الرعاية المطلوبة بعيدة المنال.
أزمة الأدوية
وبحسب سلطات الصحة في غزة، فإن نحو 60 بالمئة من أدوية السرطان غير متوفرة، وهو رقم تؤكده على نطاق واسع منظمات غير حكومية دولية تعمل في المجال الصحي والإنساني.
كما تعاني منتجات حيوية أخرى من مستويات نقص مشابهة أو أسوأ، إذ يوجد عجز كامل في المحاليل اللازمة لتحديد مؤشرات الأورام، ما يزيد صعوبة التشخيص والمتابعة الطبية للمرضى.
وتتعرض معدات مرتبطة بعلاج السرطان للرفض المتكرر عند محاولات إدخالها، بما يشمل أجهزة المسح الضوئي والعلاج الإشعاعي وبعض المولدات والوقود اللازم لتشغيلها وقطع الغيار المرتبطة بها.
وتبرر إسرائيل منع هذه المنتجات؛ باعتبارها ذات استخدام مزدوج، يمكن أن تستفيد منها حماس أو جماعات أخرى لأغراض عسكرية، وبحسب وزارة الصحة، فقد دمرت الحرب ثلاثة أرباع معدات التصوير الطبي في القطاع.
ولا تتوافر أجهزة التصوير بالرنين المغناطيسي، إذ يعتمد الأطباء على خمسة أجهزة تصوير مقطعي محوسب معطلة، و33 جهاز أشعة سينية متهالكة، إضافة إلى خمسة أجهزة تصوير فلوري حيوية فقط لغرف العمليات عند توافر الكهرباء اللازمة لتشغيلها.
قال يوسف الأسمر، مسؤول البرامج الطبية في جمعية المعونة الطبية لفلسطين في غزة، إن إدخال المعدات والإمدادات يعتمد على عدد محدود للغاية من المعابر.
وأضاف أن هذه القيود تؤثر بصورة مباشرة على خدمات العناية المركزة وأقسام غسيل الكلى وغرف العمليات ووظائف المختبرات، ما ينعكس على مختلف الخدمات الصحية المقدمة للمرضى.