بعد فشل الائتلاف الحاكم في تمرير تشريع لإعفاء الحريديم من التجنيد، أقرَّ الكنيست الإسرائيلي القراءة الأولى لقانون الحل المقدم من الحكومة في 20 مايو 2026، في واحدة من تداعيات الصراع الإقليمي الذي انطلقت شرارته من غزة وصولًا إلى إيران، بالتزامن مع مفاوضات أمريكية إيرانية، لم تكن إسرائيل طرفًا فيها، لإنهاء الحرب. وذلك رغم استمرار الاتصالات الهاتفية بين رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو والرئيس الأمريكي دونالد ترامب.
ورغم حديث وسائل إعلام أمريكية وإسرائيلية عن تهميش إسرائيل ونتنياهو في المفاوضات الإيرانية الأمريكية، يبدو أن تأثير إسرائيل في المشهد يظل مؤثرًا في تحديد شكل التفاهمات التي يمكن أن يتوصل الطرفان إليها من جهة عبر وسائل ضغط داخلية أمريكية، وبعضها ينبع من الإدارة الأمريكية نفسها، أو في إفساد أي ترتيبات إقليمية تؤثر على "المجال الحيوي" الذي تسعى إسرائيل لبنائه في دول الجوار من جهة أخرى.
وتأسيسًا على ما سبق؛ يتناول التحليل التالي أبعاد تأثير المشهد السياسي الداخلي على سلوك إسرائيل الإقليمي وتداعيات ذلك على حرب إيران.
تأثيرات المشهد السياسي على سلوك إسرائيل الإقليمي
رغم أن مشهد "الانفجار الداخلي" لا يزال مُدَارًا بشكل كبير من قِبل نتنياهو، الذي نجح في الوصول بائتلافه اليميني المتباين إلى خط النهاية والاتجاه إلى حل الكنيست قبل أسابيع معدودة من موعد نهاية ولايته الطبيعية، إلا أن أزماته الداخلية المتشابكة ظلت تقود موقفه التصعيدي في ملفات غزة ولبنان والحرب مع إيران، واتخذ نتنياهو أغلب القرارات المتعلقة بالحرب وصياغة أهدافها من منطلق ضغوط سياسية داخلية متعددة الاتجاهات؛ سواء من داخل الائتلاف الحكومي أو من قادة المعارضة مع ضعف تحالفاتهم السياسية وطموحاتهم المتنافسة لخلافته في رئاسة الوزراء.
(&) تحديد أهداف الحرب: دفعت النداءات المتكررة لمجلس الحرب عمومًا، ولرئيس الوزراء خاصة، في أعقاب اندلاع حملة القصف العنيف على غزة، لإعلان الأخير أهداف الحرب على غزة، والتي شملت القضاء على القدرات العسكرية والسلطوية لحركة حماس، وضمان عدم تهديد الجبهة الجنوبية، والتي كشفت عن ارتباك مستتر خلف آلة عسكرية مدعومة من الولايات المتحدة قدمت أهدافًا سياسية يصعب تحقيقها بالوسائل العسكرية فقط، كما ارتبط بدوافع الانتقام لمقتل وأسر إسرائيليين ومحاولة التغطية على الفشل السياسي والعسكري والاستخباراتي، صباح السبت 7 أكتوبر 2023. وفي مرحلة لاحقة مع تجدد العمليات العسكرية ومع تغيير مسمياتها من السيوف الحديدية إلى عربات جدعون، وانتهاءًا بـ "حرب القيامة"، تحولت المطالبات إلى إبراز رؤية وتصور إسرائيل لشكل "اليوم التالي" في غزة، وهي المرحلة التي عزز فيها نتنياهو من تأثير الفصائل الأكثر تطرفًا في ائتلافه اليميني على قرار الحرب، بقوة دفع التأييد العسكري والسياسي والدبلوماسي الأمريكي المطلق، وذلك عبر طرح مشروع التهجير كحل جذري لحرب غزة ومجمل الملف الفلسطيني.
وفي الشأن اللبناني، أسهمت توجهات قادة المعارضة، خاصة زعيم حزب أزرق أبيض بيني جانتس، بعد انسحابه من مجلس الحرب في يونيو 2024، في تغيير إستراتيجية التعامل مع ملف لبنان؛ في ظل ما أبداه من اهتمام بتصعيد الموقف في الجبهة الشمالية مع حزب الله اللبناني قبل خروجه، ليحول نتنياهو اهتمامه باتجاه لبنان في سبتمبر من العام ذاته عبر عملية تفجيرات أجهزة النداء الآلي، ولاحقًا باغتيال الأمينين العامين للحزب حسن نصر الله، وخلفه هاشم صفي الدين.
وعلى مدى المواجهات المحدودة مع إيران، وصولًا لحرب الاثني عشر يومًا في يونيو 2025 وحرب 28 فبراير 2026، تطورت أهداف الحرب لتشمل هجمات واسعة النطاق ضد المنشآت النووية وإدخال الأهداف الاقتصادية، وخاصة النفطية في المواجهتين الأخيرتين، بعد اقتراحات متكررة من رئيسي الوزراء السابقين نفتالي بينيت ويائير لابيد على التوالي.
(&) حلقات التصعيد المفرغة: تبقي إسرائيل على سقف مرتفع لأهداف التفاوض مع إيران بصورة قد تعرقل وتجهض أي تفاهم محتمل لإنهاء الحرب وحل الملف النووي، حيث تتمسك بتفكيك البرنامجين الصاروخي والنووي ونزع سلاح وكلاء إيران الإقليميين، وهو ما يدفع لأن ترفض طهران أي صيغة تتضمن إقرارًا ضمنيًا بالهزيمة وتدفع لتأجيج الاضطرابات الداخلية. وعلى الصعيد العسكري، أعلن الجيش الإيراني، في 24 مايو 2026، إسقاط مُسيّرة تجسس إسرائيلية من طراز "أوربيتر" فوق محافظة هرمزجان، بالتزامن مع الإعلان عن مسودة مذكرة تفاهم أمريكية إيرانية يمكن توقيعها "خلال أيام"، رغم حديث وسائل إعلام إسرائيلية عن تأهب لفشل المفاوضات سبق ذلك الإعلان، ما عكس أزمة تواجه نتنياهو في الترويج لنجاحاته الخارجية في ذات التوقيت الذي باءت محاولات إنقاذ ائتلافه اليميني بالفشل مع مصادقة الكنيست على مشروع حله بالقراءة الأولى، عقب فشل الائتلاف في تمرير قانون لإعفاء الحريديم من التجنيد.
ومنذ التوصل إلى وقف لإطلاق النار في لبنان، منتصف أبريل 2026، برعاية أمريكية، وبالتحول لنمط المفاوضات المباشرة، آثرت حكومة نتنياهو خرق التفاهمات التي جرى التوصل إليها مع الحكومة اللبنانية؛ تحت ضغوط اليمين الاستيطاني، عبر استهداف بيروت وفق المعادلة التي رفعها زعيم الصهيونية الدينية ووزير المالية بتسلئيل سموتريتش، في 26 مايو 2026، بضرورة "تدمير 10 مبانٍ في العاصمة اللبنانية أمام كل مُسيّرة انتحارية يطلقها حزب الله".
وفي المقابل، أفاد استمرار الحرب على جبهات متعددة في إعاقة محاكمات نتنياهو، التي تستمر منذ عامين ولا تزال في مرحلة الاستماع لشهادته مع مطالبه المتكررة بتقليص عدد الجلسات الأسبوعية، وتأجيل بعضها بصورة متكررة، خاصة نتيجة تطورات الحالة الصحية التي جرى الكشف عنها أخيرًا في ضوء خضوعه لعملية استئصال ورم بالبروستاتا، أو تحت وطأة الالتزامات الأمنية في جبهة لبنان، في الفترة من أبريل إلى 27 مايو 2026.
حدود التداخُل الإسرائيلي بالمفاوضات الإيرانية
لطالما أثرت إسرائيل على ملف الحرب مع إيران، منذ اندلاعها في 28 فبراير 2026، في إعلان أهداف الحرب؛ بتمهيد الطريق لإسقاط النظام داخليًا، وتحديد بنك الأهداف وقيادة الجهد الاستخباري الداخلي، إلا أن غياب الأفق السياسي في الرؤية الإسرائيلية وتباين المصالح بين تل أبيب من جهة وحلفاء واشنطن في الشرق الأوسط وأوروبا؛ جراء تضرر الاقتصاد العالمي واقتصادات تلك الدول من جهة أخرى، قاد إلى انفصال مرحلي بين الحليفين الأمريكي والإسرائيلي.
(*) وقف الأعمال العدائية: يتمثل التعقيد الأبرز في الصراع بامتداده على ساحات متعددة ترتبط فيما بينها بروابط عقائدية وأيديولوجية مع إيران، بينما تختلف تلك الساحات باختلاف بيئاتها الداخلية ومدى قربها الجغرافي بساحة التهديد في إسرائيل أو بطرق الإمداد من إيران. ويمثل اشتراط إيران وقفًا للأعمال العدائية في العراق واليمن ولبنان نقطة ضعف يمكن لإسرائيل استغلالها في إضعاف فرص التوصل لاتفاق شامل يحافظ على شبكة حلفاء إيران ويعطيهم حصانة من الاستهدافات، وهو ما يتعارض كهدف إستراتيجي مع الولايات المتحدة وإسرائيل بينما قد تختلف آليات معالجة تلك الملفات في سياق التفاهمات والمفاوضات الثنائية بين الولايات المتحدة والحكومات والأطراف المعنية.
ويتمثل الإخفاق الرئيسي لإسرائيل في فشل سيناريو إسقاط النظام الإيراني وقد تتحول الانتصارات التكتيكية في ساحة الحرب إلى فشل إستراتيجي تام، حال بقاء وكلاء إيران في مشهد اليوم التالي؛ ومن ثم فإن التأهب الإسرائيلي لفشل المفاوضات قد يتحول إلى إجراء "استباقي" يطال ليس فقط وكلاء طهران، وإنما مواصلة العمل الاستخباراتي في الداخل الإيراني وإيجاد تمركزات في مناطق الجوار؛ استعدادًا لعمليات قصف مركزة الأهداف ومحدودة النطاق في الداخل الإيراني، شريطة وجود أهداف عالية القيمة تستدعي خرق وقف إطلاق النار.
(*) الملف اللبناني: يمثل التصعيد في لبنان وبصورة أقل في غزة، انكفاءً إسرائيليًا من تصور القوة الإقليمية القادرة على تغيير المعادلات بالشرق الأوسط، إلى فكرة لا تقل خطورة عن بناء "مجال حيوي" يمكن تسويقه دوليًا تحت غطاء بناء جدار أمني لحماية مجتمعات الحدود في الشمال مع لبنان وسوريا وفي الجنوب داخل غزة لحماية مستوطنات غلاف غزة، استنادًا لهدف "القضاء على حماس وحزب الله. ويعد التصعيد الحالي في غزة ولبنان بالعودة لعمليات الاغتيال لقيادات الجناح العسكري لحماس وحزب الله من جهة وتوسيع السيطرة الميدانية رغم استمرار المفاوضات المباشرة مع الحكومة اللبنانية برعاية أمريكية تصعيدًا بمبررات سياسية داخلية جراء فشل تمرير مشروع قانون بشأن إعفاء الحريديم من التجنيد والذهاب لحل الكنيست في المقام الأول، أكثر من كونه فصلًا لجبهة لبنان عن مسار المفاوضات الأمريكية الإيرانية. ويظهر من التصعيد في لبنان أن تخريب أي ترتيبات إقليمية تقيد يد إسرائيل ومشروعها الاستيطاني وتعزز في المقابل نفوذ إيران الإقليمي، يتقدم على بناء مسار للسلام الإقليمي مع شركاء متساوين في السيادة.
وإجمالًا؛ يتضاءل التأثير الإسرائيلي هيكليًا من شريك في صنع قرار الحرب إلى طرف مفسد للتفاهمات الجماعية على خفض التصعيد والمساهمة البنّاءة في مشهد اليوم التالي. وأمام تلك الحقيقة لم يضمن التفوق العسكري لإسرائيل موقع القوة المهيمنة، ولكن عزز من التصاقها بالتصعيد تحت وطأة الاستحقاقات السياسية والقانونية الداخلية لرئيس الحكومة بنيامين نتنياهو، الذي استغل الظروف الاستثنائية للحرب من أجل عرقلة سير محاكماته الجنائية وأخضع قرار التصعيد للسجال مع قادة المعارضة، مما يكشف مخاوف عميقة من تأثير انتهاء الحرب على فرص فوزه بالانتخابات المقبلة نتيجة تفكك ائتلافه الحاكم رغم استمرار تفوقه على قادة المعارضة التي لم تنجح في بناء مشروع موحدة أو تشكيل جبهة منسجمة سياسيًا وتمتلك رؤية لمستقبل الحكم والقضايا الشائكة التي تعزز من قوة اليمين المتطرف في الشارع الإسرائيلي.