بعد القبض عليه، بدا من غير المنطقي أن وكالة المخابرات المركزية الأمريكية (CIA) لم ترتَبْ أو تدرك أن هناك خطبًا ما بشأن الضابط السابق ديفيد راش، حتى استطاع الاحتفاظ بكميات ضخمة من الذهب، فيما يبدو وكأنها عملية الاختلاس الأكبر في تاريخ وكالة الاستخبارات الأشهر في العالم.
يُزعم أن الخلل الأمني سمح لـ"راش"، الذي كان يحمل تصريحًا أمنيًا سريًا للغاية، بتخزين 303 سبائك ذهبية على مراحل بقيمة 40 مليون دولار ووزن 667 رطلًا. كما جمع ثلاثين ساعة فاخرة، معظمها من نوع "رولكس"، ومليوني دولار نقدًا، وفقًا لشكوى جنائية رُفعت في المنطقة الشرقية من ولاية فرجينيا.
وأثارت الفضيحة ردود فعل عنيفة داخل الأروقة السياسية والاستخبارية في الولايات المتحدة، إذ أطلقت لجنة الاستخبارات في مجلس الشيوخ حملة رقابة صارمة على تصرفات الوكالة غير المسؤولة في الإنفاق والتدقيق المتساهل.
وتقول الحكومة إن راش "تمكن من تزييف أجزاء كبيرة من تاريخه الأكاديمي والعسكري، ما أدى إلى خداع محققين مدربين والاستيلاء على كميات هائلة من الأموال دون إثارة أي شكوك فورية"، كما نقلت صحيفة "ذا نيويورك بوست". ويعود ذلك جزئيًا إلى أن وكالة المخابرات المركزية تعمل على أساس الثقة المطلقة.
ويُزعم أنه قال إن الغنائم كانت ضرورية لتغطية "نفقات متعلقة بالعمل"، وهو ما نقل تقرير الصحيفة عن أحد المسؤولين السابقين بالوكالة عنه أن "الوكالة نظام يعمل إلى حد كبير على الثقة، وفي بعض الأحيان تعرضوا للخداع بسبب ذلك".
اختراق خطير
حسب تقرير الوكالة، تم سحب كميات هائلة من الذهب والأموال بين نوفمبر 2025 ومارس 2026، ما يعني أنه سُمح بسحبها أكثر من مرة.
وذكر التقرير أن وكالة المخابرات المركزية أبلغت مكتب التحقيقات الفيدرالي بعد إجراء تحقيق داخلي خاص بها، لكنه لم يحدد تاريخ ذلك، كما لم تتمكن السلطات الفيدرالية من تحديد ما حدث لكميات كبيرة من العملات الأجنبية، وفقًا للإفادة الخطية.
تنقل "ذا نيويورك بوست" عن توم فيتون، رئيس منظمة "جوديشال ووتش"، وهي منظمة رقابية على عمل مجتمع الاستخبارات الأمريكي، أن عمليات الاختلاس التي قام بها راش "أمر مخزٍ لوكالة المخابرات المركزية".
وقال: "هذا يدل على أن الوكالة لديها كارثة من حيث الأمن الداخلي.. إنها أزمة أمنية في وكالة المخابرات المركزية.. من يعمل هناك أيضًا ولديه خلفية ملفقة؟".
وذكرت الصحيفة أن الاختراق الذي حدث قد يكشف عن أنماط خطيرة، ونقلت عن ضابطة العمليات السابقة في الوكالة تريسي والدر أن "حقيقة أن هذا الأمر قد أفلت من الرقابة تجعلني أشعر بالقلق من وجود أشخاص آخرين أفلتوا من الرقابة أيضًا".
وتتهم الدعوى القضائية "راش" بتقديم معلومات كاذبة حول تعليمه "في طلبه المقدم إلى حكومة الولايات المتحدة"، ما يعني أنه لم يتم اكتشاف ذلك في فحص خلفيته الأولي، كما يُزعم أنه تم الكشف لاحقًا عن معلومات متناقضة في سجلات البحرية الأمريكية، والتي يبدو أنها مرت دون تدقيق أيضًا.
وذكر في إفادة خطية أنه تقدم بطلب للعمل لدى الحكومة الفيدرالية ثلاث مرات، مستخدمًا معلومات مختلفة في كل مرة، ولم يكتشف المحققون أنه لم يكن لديه رخصة طيران، وأنه لم يكن مدرب طيران كما زعم.
تحقيقات ومحاسبة
تلفت "ذا نيويورك بوست" إلى أن المشرعين الأمريكيين بدأوا بالفعل في الاستعداد للقيام بالتحقيقات الخاصة بهم بشأن عمليات الاختلاس التي قام بها راش.
وقالت راشيل كوهين، المتحدثة باسم السيناتور الديمقراطي مارك وارنر، من ولاية فرجينيا، نائب رئيس لجنة الاستخبارات في مجلس الشيوخ: "توجد لجنة الاستخبارات في مجلس الشيوخ لإجراء رقابة صارمة على مجتمع الاستخبارات، بما في ذلك ضمان المساءلة عند ظهور ادعاءات خطيرة بسوء السلوك".
وقالت إن وارنر "يتابع الأمر عن كثب" وسيعمل مع رئيس اللجنة السيناتور الجمهوري توم كوتون من أركنساس "لتنفيذ مسؤوليات اللجنة الرقابية بشكل شامل وحازم"، وهو ما يشير إلى أنه سيتعين على وكالة المخابرات المركزية تقديم تفسيرات مفصلة للمشرعين حول ما حدث من خطأ.
أيضًا، تجمع لجنة الاستخبارات بمجلس النواب المعلومات دون الكشف عن نواياها، وينقل التقرير عن مصدر في اللجنة أنه "تم إطلاع لجنة الاستخبارات بمجلس النواب، ورئيسها الجمهوري ريك كروفورد، من أركنساس، على آخر المستجدات في هذه القضية".
وتعتبر تلك اللجان هي الجهات الرقابية الرئيسية على الوكالة، التي قاومت طويلًا المحاسبة الخارجية، وذكر تقرير صادر عن مكتب محاسبة الحكومة عام 2001 أن الوكالة لم تخضع للتدقيق منذ الستينيات.
ووفق تقرير المكتب، يرجع ذلك جزئيًا إلى أنه "ليس لديه (مكتب محاسبة الحكومة) إمكانية الوصول إلى بعض الحسابات غير الموثقة لوكالة المخابرات المركزية ولا يمكنه إجبارها على الوصول إلى معلومات الاستخبارات الأجنبية ومعلومات مكافحة التجسس.