منذ أغسطس 2021، وحتى إعلان اغتياله في غارة جوية إسرائيلية، اليوم الأربعاء، شغل إسماعيل خطيب، منصب وزير الاستخبارات في الجمهورية الإيرانية، وهو ثالث مسؤول إيراني رفيع يُقتل في غضون يومين، خلال الحملة الإسرائيلية التي اشتدت وتيرتها في الأسبوع الثالث من الحرب، إذ سبقه بنحو 24 ساعة، علي لاريجاني، أمين المجلس الأعلى للأمن القومي، وغلام رضا سليماني، قائد قوات الباسيج.
تكمن أهمية "خطيب" في إسهامه في تأسيس بنية النظام الأمني والاستخباراتي الإيراني، وتعامله مع المعارضة الداخلية، والنشاط الإعلامي الأجنبي، وعمليات الاستخبارات الخارجية، كعناصر اعتبرها النظام شبكة تهديد واحدة تتطلب إدارة موحدة، كما جعل وزارة الاستخبارات لا مجرد أداة لمكافحة التجسس، بل محركًا للسيطرة السياسية، دور وضع "خطيب" في قلب بعض أهم القرارات الداخلية للسلطة، خلال السنوات الأخيرة من حكم خامنئي.
وامتدت مسيرة خطيب، المولود بمحافظة خراسان جنوب شرق إيران عام 1961، عبر جميع مؤسسات السلطة التي قادها المرشد الأول للثورة الإيرانية، وخليفته الراحل الذي قُتل في الضربة الإسرائيلية-الأمريكية الأولى في عملية "الغضب الملحمي"، كما حمل رتبة "حجة الإسلام"، وهي رتبة أدنى من "آية الله"، لكنها تتمتع بنفوذ ديني كبير ضمن التسلسل الهرمي الأمني الديني في البلاد.
وعندما تولى وزارة الاستخبارات عام 2021، جلب الرجل الذي درس على يد رجال دين شكلوا الركيزة الأيديولوجية للدولة الثورية -من بينهم علي خامنئي نفسه قبل وصوله إلى القيادة العليا- معه خبرة مؤسسية عميقة لم يسبقه إليها أحد، إذ عمل في استخبارات الحرس الثوري، وهياكل وزارة الاستخبارات على المستويين الإقليمي والوطني، وجهاز حماية القضاء، ومكتب المرشد الأعلى، قبل أن يصل إلى المنصب الذي قاده لحتفه.
ابن الحرس الثوري
تزامن التكوين العسكري لـ"إسماعيل خطيب" مع الصدمة التي ألمّت بتأسيس الجمهورية، فخلال الحرب العراقية الإيرانية، في سبتمبر 1980، كان في الـ19 من عمره والتحق بالجيش في قم، لكنه أُصيب إصابة بالغة أنهت خدمته في الجبهة، وقُتل كل من شقيقه وصهره.
وفي عام 1985، عيّنه محسن رضائي، أول قائد عام للحرس الثوري الإيراني، رسميا في وحدة الاستخبارات التابعة للحرس الثوري، إذ خدم حتى عام 1991، وخلال هذه الفترة، انخرط الخطيب في إحدى أهم حوادث الأمن الداخلي، وهي اعتقال وإعدام مهدي هاشمي، قائد مكتب حركات التحرير التابع للحرس الثوري، وهو شخصية وثيقة الصلة بحسين علي منتظري، الذي كان -آنذاك- الخليفة المُعيّن للخميني.
وتداخلت قضية هاشمي بشكل مباشر مع فضيحة "إيران-كونترا"، إذ نُسب إلى هاشمي أو المقربين منه على نطاق واسع تسريب تفاصيل الاتصالات الأمريكيةالإيرانية السرية حول صفقة الأسلحة مقابل الرهائن، وهو تسريب تسبب في أزمة سياسية حادة في طهران عندما نُشر لاحقًا في صحيفة لبنانية.
وكان إعدام هاشمي جزءًا من العملية التي أقصت منتظري من دائرة الترشيح للخلافة وعززت صعود خامنئي في نهاية المطاف إلى القيادة العليا. ووضع دور "خطيب" في التحقيق مع هاشمي ومحاكمته في مصاف الشخصيات الأمنية، التي أسهمت أعمالها في تشكيل نتيجة الخلافة.
سنوات قم
في عام 1991، انتقل "خطيب" من جهاز المخابرات التابع للحرس الثوري الإيراني إلى وزارة الاستخبارات والأمن، إذ تولى مسؤولية ما سُمّي بالدائرة الخاصة بالحركات في مكتب الوزارة بمحافظة قم، وحدة كانت مهمتها مراقبة وقمع النشاط الديني والسياسي داخل المدينة، التي تضم أهم المؤسسات العلمية.
ومثّلت قم بالنسبة لـ"خطيب" تحديًا استخباراتيًا فريدًا، فالمؤسسات التي أنتجت الشرعية الأيديولوجية للنظام هي نفسها التي أنتجت رجال الدين الذين شككوا فيه أو عارضوه، وكان التمييز بين البحث الديني المشروع والمعارضة السياسية في إيران محل جدل دائم. وتطلّب التعامل مع هذا الوضع ما وصفه البعض بـ"البراعة"، أي القدرة على قمع المعارضة الحقيقية دون إثارة مواجهة أوسع مع رجال الدين.
في نوفمبر 1997، عيّن وزير الاستخبارات -آنذاك- علي فلاحيان، خطيب رئيسًا للفرع الإقليمي لوزارة الاستخبارات في قم، مُرسّخًا بذلك سلطته على جهاز الاستخبارات في المحافظة، وكانت من أكثر الفترات نشاطًا في تاريخ وزارة الاستخبارات في العمليات الخارجية. وبقي في منصبه حتى عام 2003 تقريبًا، مكتسبًا خبرة تزيد على عقد من الزمن في بيئة الاستخبارات المتميزة للمدينة.
وفي عام 2010، عُيّن "خطيب" في مكتب حماية المرشد الأعلى، وهو تعيين أظهر ثقة خامنئي الشخصية به، ووضعه ضمن دائرة جهاز الأمن المباشر له. ومن عام 2012 إلى 2019، ترأس مركز حماية المعلومات التابع للسلطة القضائية، الفرع المسؤول عن حماية الاتصالات الداخلية للسلطة القضائية وموظفيها من الاختراق.
وبين يونيو 2019 وأغسطس 2021، أشرف على أمن مؤسسة "أستان قدس رضوي"، المؤسسة التي تُدير مجمع مرقد الإمام الرضا في مشهد، ذات الأهمية البالغة للدولة الإيرانية.
وزير الاستخبارات
في 25 أغسطس 2021، عيّن الرئيس الإيراني الراحل إبراهيم رئيسي، خطيب وزيرًا للاستخبارات ليصبح بذلك ثامن من يشغل المنصب منذ تأسيس وزارة الاستخبارات والأمن "MOIS" عام 1983، ومثّل هذا التعيين توافقًا مقصودًا بين الوزارة والثقافة الأيديولوجية والمؤسسية للحرس الثوري الإيراني، إذ دخل "خطيب" عالم الاستخبارات من خلال الحرس الثوري، وحافظ على علاقات وثيقة معه طوال مسيرته المهنية، وكان يُنظر إليه على أنه قادر على تخفيف حدة التوتر بين وزارة الاستخبارات والأمن وجهاز استخبارات الحرس الثوري، الذي كان يُسبب بين الحين والآخر صراعًا بيروقراطيًا وارتباكًا عملياتيًا.
ووفق ما ذكر موقع Global Security، طالما قيّمت وكالات الاستخبارات الغربية وزارة الاستخبارات الإيرانية بأنها أكثر كفاءة مهنية من قيادة الحرس الثوري "IRGC"، إذ تمت ترقية ضباط وزارة الاستخبارات بناءً على جدارتهم العملياتية لا على أساس التوافق الأيديولوجي.
وعندما قُتل رئيسي في حادث تحطم مروحية، مايو 2024، وخلفه مسعود بيزشكيان رئيسًا، أبقى على خطيب في حكومته، قرار غير مألوف، إذ جرت العادة أن يُغيّر الرؤساء الإيرانيون الوزراء الذين ورثوهم عن أسلافهم.
وتشير التقديرات الغربية إلى أن أهم إسهامات خطيب في جهاز الأمن الإيراني "كانت عقائدية أكثر منها عملياتية". فخلال الانتفاضة التي أعقبت وفاة مهسا أميني، سبتمبر 2022، أدلى خطيب بمقابلة مطولة نُشرت على الموقع الرسمي لخامنئي، أوضح فيها إطارًا تعامل مع الاحتجاجات لا كظاهرة سياسية داخلية، بل كعملية حرب هجينة موجهة من الخارج، تتطلب قمعًا استخباراتيًا بدلًا من التفاوض السياسي.
ونشطت وزارة الاستخبارات الإيرانية بقيادة "خطيب" في سلسلة من العمليات ضد معارضين إيرانيين، ورعايا أجانب، وأهداف حكومية. وفي بعض الحالات، قامت أجهزة إنفاذ القانون الأوروبية في ألمانيا والمملكة المتحدة وفرنسا والدنمارك بمقاضاة عملاء استخبارات إيرانيين بتهم التجسس، ومحاولات التجنيد، وفي حالات أخرى، التخطيط لاختطاف أو قتل شخصيات معارضة في المنفى.
وامتدت العمليات الإلكترونية لتشمل محاولات اختراق لأهداف بنية تحتية حيوية في إسرائيل والولايات المتحدة وأوروبا الغربية، كما حافظت وزارة الاستخبارات الإيرانية على علاقات عملياتية مع شبكة من العملاء الوكلاء، منفصلة عن شبكة "فيلق القدس" التابع للحرس الثوري، ولكنها متداخلة معها، ما وفر قدرة استخباراتية خارجية موازية، ومنحت طهران ميزة في نطاق عملياتها الخارجية.
ووصفت التقييمات الغربية وزارة "خطيب" بأنها تضطلع بدور تنسيقي في المشهد الاستخباراتي الخارجي لإيران، لا بدور قيادي. فقد احتفظ فرع العمليات الخارجية للحرس الثوري وفيلق القدس بقدراتهما الاستخباراتية والعملياتية المستقلة، واتسمت العلاقة بين المؤسسات الثلاث بالتنافس على الموارد والسلطة بقدر ما اتسمت بالتنسيق.
وأدرجت وزارة الخزانة الأمريكية اسم الخطيب مرتين، سبتمبر 2022، حمّل الإدراج الأول، الذي صدر بالتزامن مع العقوبات المفروضة على القيادة الإلكترونية للحرس الثوري وزارة الاستخبارات، مسؤولية هجوم إلكتروني مدمر استهدف البنية التحتية الرقمية للحكومة الألبانية، أما الإدراج الثاني، الذي صدر في وقت لاحق من الشهر نفسه بموجب سلطات حقوق الإنسان، فقد أشار إلى استهداف وزارة الاستخبارات الإيرانية للمدافعين عن حقوق الإنسان، والناشطات في مجال حقوق المرأة، والصحفيين، وصانعي الأفلام، والأقليات الدينية، وإدارتها لمراكز احتجاز سرية تعرض فيها المحتجزون للتعذيب.