في وقت يعيش فيه العالم على وقع تقلبات جيوسياسية متسارعة، وصراعات ممتدة من أوكرانيا إلى الشرق الأوسط، باتت مصطلحات الأمن والاستقرار عملة نادرة في سوق السياسة الدولية، وضمن هذا المشهد المعقد، تبرز الرؤية الصينية التي عبّر عنها الرئيس شي جين بينج، بوصفه السلام "سلعة باهظة الثمن"، رؤية تعكس قلق بكين من ارتدادات هذه الأزمات على حركة التجارة العالمية والنمو الاقتصادي.
ومن هذا المنطلق، تسعى الصين جاهدة لإعادة تموضعها على الساحة الدولية، ليس فقط كقوة اقتصادية عظمى، بل كوسيط مسالم وصانع للاستقرار، متمسكة بمبادئ القانون الدولي وحرية التجارة، في محاولة لتقديم نموذج دبوماسي بديل قادر على نزع فتيل الأزمات الراهنة.
وفى هذا الإطار؛ قال أستاذ الاقتصاد السياسي ببكين، الدكتور مارفن لي، إن من منظور الصين لا يزال العالم غير مستقر أو سلمي بعد، مشيرًا إلى أن الرئيس الصيني شي جين بينج، عقب زيارة الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، أكد أن السلام أصبح سلعة باهظة الثمن، في ظل التوترات الجيوسياسية في أوكرانيا والشرق الأوسط ومناطق أخرى حول العالم.
وأضاف أستاذ الاقتصاد السياسي، خلال مداخلة مع الإعلامية أمل الحناوي، في برنامج "عن قرب مع أمل الحناوي"، على القاهرة الإخبارية، أن الصين تسعى إلى تقديم نفسها بوصفها وسيطًا مسالمًا وصانعًا للسلام وقوة للاستقرار، مع التمسك بمبادئ القانون الدولي وحرية التجارة.
وأشار إلى أن الصين تمر في الوقت الحالي بوضع دقيق، إذ يمكن ملاحظة تحركات دبلوماسية، من بينها زيارات لمسؤولين من المملكة المتحدة ولقاءاتهم مع القيادة الصينية، بهدف تعزيز الاتفاقيات التجارية والحصول على دعم اقتصادي، إلى جانب تعميق التعاون الاقتصادي لا بين روسيا والصين فقط، بل أيضًا بين روسيا وبقية دول العالم.
مخاوف من التقارب الصيني الروسي
قال الدكتور مارفن لي، إن سبب خشية الغرب من التقارب الصيني الروسي، رغم تأكيد البلدين أنهما لا يستهدفان دولًا ثالثة، يُعد في رأيه أمرًا بسيطًا، ويرتبط بتاريخ القوى الغربية، بما في ذلك الإمبراطورية البريطانية والفرنسية والألمانية والأمريكية، التي يرى أنها سعت عبر مراحل تاريخية إلى توسيع نفوذها حول العالم، ما جعلها تنظر إلى القوى الصاعدة بالمنطق نفسه.
وأضاف، أن هذا التصور، بحسب وجهة نظره، غير دقيق تجاه الصين، التي لم تغيّر فلسفتها الأساسية، التي تقوم على مبدأ الردع لا التوسع العسكري، مؤكدًا أن الجيش الصيني لا يستهدف غزو أي دولة، بل يهدف إلى تحقيق الردع والحفاظ على السلام.
وأشار إلى أن العالم مرّ بتجارب تاريخية قاسية خلال القرن الماضي، اتسمت بالصراعات والدماء، ما ينعكس على استمرار الحذر في العلاقات الدولية، كما رأى أن جزءًا من المخاوف الغربية من التعاون الصيني الروسي يعود إلى استمرار تأثير عقلية الحرب الباردة.
وتحدث أيضًا عن السياسة الأمريكية، معتبرًا أن التوترات الدولية تُستخدم أحيانًا في سياق الحسابات الداخلية، بما في ذلك الاستحقاقات الانتخابية مثل انتخابات التجديد النصفي للكونجرس، مشيرًا إلى أن بعض الملفات الدولية قد تُدار ضمن هذا الإطار السياسي.
وختم بالإشارة إلى أن الصين خلال العقود الأربعة الماضية لم تنخرط في غزو دول أخرى، على عكس ما حدث في سياقات تاريخية غربية متعددة، التي شملت ليس فقط التدخلات العسكرية، بل أيضًا الهجمات السيبرانية والإجراءات الاقتصادية الصارمة التي أثرت على العديد من الدول، بما فيها الصين.