تتصاعد مؤشرات الاضطراب السياسي داخل حزب العمال البريطاني، مع تزايد الحديث عن خلافات داخلية وتراجع الثقة في قيادة رئيس الوزراء كير ستارمر، وسط تحركات سياسية قد تعيد رسم خريطة السلطة داخل الحزب الحاكم.
وفي ظل أزمات اقتصادية وضغوط اجتماعية متزايدة، تبدو الحكومة البريطانية أمام اختبار سياسي معقد قد يحدد مستقبل قيادة الحزب خلال المرحلة المقبلة.
وأفادت صحيفة "ذا تليجراف" بأن رئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر قد يتخلى طواعيةً عن منصب رئيس الحكومة لصالح عمدة مانشستر الكبرى آندي بورنهام.
وأعلن بورنهام ترشحه عن دائرة ماكرفيلد الانتخابية في شمال إنجلترا في الانتخابات المتممة لمجلس العموم، وأيّدت اللجنة التنفيذية الوطنية لحزب العمال الحاكم ترشيحه، ومن المتوقع إجراء الانتخابات المذكورة في 18 يونيو، بعد أن أعلن النائب العمالي الحالي جوش سيمونز، ممثل دائرة ماكرفيلد، استقالته لإتاحة الفرصة لبورنهام لدخول البرلمان، وفي حال فوزه، سيصبح بورنهام مؤهلًا لتولي منصب رئيس وزراء المملكة المتحدة.
سيناريو الاستقالة
يذكر أن جميع كبار أعضاء الحكومة في المملكة المتحدة هم أعضاء في البرلمان، وكان بورنهام قد حاول بالفعل الترشح في انتخابات متممة لمجلس العموم في دائرة جورتون ودينتون في مانشستر يناير الماضي، لكن قيادة حزب العمال منعت ترشيحه.
في نهاية المطاف، خسر حزب العمال تلك الانتخابات، وكان سبب منع بورنهام من الترشح لمجلس العموم تلك المخاوف التي أشارت إلى أنه بمجرد انتخابه قد يحاول إزاحة ستارمر من زعامة حزب العمال ومنصب رئيس الوزراء.
وبحسب مصادر في صحيفة "ذا تليجراف"، يدرس ستارمر جميع الخيارات وقد يستقيل طواعيةً، رغم إعلانه جهرًا استعداده لصد أي تحديات لقيادته.
وأضافت الصحيفة أن هذا السيناريو وارد إذا ما توحدت فصائل مختلفة داخل حزب العمال حول بورنهام، مشيرة إلى أن ستارمر لن يستقيل حتى تُعرف نتائج الانتخابات الفرعية في ماكرفيلد.
طبيعة السياسات
وفي هذا السياق، قال الكاتب والمحلل السياسي البريطاني باباك أماميان، إن الأزمة التي يواجهها حزب العمال البريطاني لا تتعلق فقط برئيس الوزراء كير ستارمر، وإنما تمتد إلى طبيعة السياسات التي يتبناها الحزب وهويته السياسية، موضحًا أن الجدل القائم حاليًا داخل الحزب يدور حول ما إذا كانت المشكلة في القيادة أم في النهج السياسي نفسه.
وأضاف أماميان، في تصريحات لقناة "القاهرة الإخبارية"، أن هناك اقتناعًا متزايدًا بأن القيادة تمثل جزءًا من الأزمة، إلا أن السياسات الحكومية الحالية تُعَد سببًا رئيسيًا في تراجع الشعبية، مشيرًا إلى أن قضايا، مثل العولمة، أدت إلى انتقال الوظائف إلى الخارج، بينما أسهمت السياسات البيئية والطاقة المرتفعة التكلفة في زيادة الضغوط الاقتصادية على المواطنين، معتبرًا أن بعض توجهات الحزب تُعيد إلى الأذهان نماذج اقتصادية قديمة تقوم على تدخل الدولة بشكل واسع.
حالة ارتباك
وأكد الكاتب والمحلل السياسي أن حزب العمال يعيش حالة ارتباك داخلي بشأن مستقبله السياسي، حيث يدعو بعض أعضائه إلى التحول أكثر نحو اليسار، بينما يرى آخرون ضرورة الاقتراب من سياسات الجناح اليميني، لافتًا إلى أن هناك أيضًا انقسامًا حول مستقبل ستارمر نفسه، إذ يعتبر فريق أن الأزمة تتعلق بضعف التواصل السياسي، بينما يرى آخرون أن جذور المشكلة تكمن في السياسات لا في طريقة تسويقها.
وأشار إلى أن الأزمة الحالية تعكس إشكالية أعمق تتعلق بفقدان الهوية السياسية للحزب الحاكم، خاصةً مع تصاعد حالة عدم الرضا داخل النقابات العمالية التي تمثل القاعدة التاريخية لحزب العمال، معتبرًا أن المشهد السياسي في بريطانيا وأوروبا عمومًا يشهد تحولات فكرية وسياسية كبيرة تزيد من تعقيد قدرة الأحزاب التقليدية على الحفاظ على توازنها الداخلي وشعبيتها الجماهيرية.