في قاعة تعجّ بالطائرات المسيّرة والأسلحة غير المألوفة، كان وزير الدفاع الأوكراني ميخايلو فيدوروفي تنقّل بين نماذج لأسلحة تبدو أقرب إلى ابتكارات مرآب منزلي منها إلى معدات عسكرية تقليدية. لكن بالنسبة لكييف، تمثل هذه التكنولوجيا مستقبل الحرب، وربما مفتاح تغيير موازين الصراع مع روسيا.
حرب تُدار بالخوارزميات
يراهن فيدوروف على إدخال الذكاء الاصطناعي والأنظمة غير المأهولة إلى قلب المعركة، في إطار إستراتيجية أوكرانية جديدة تقوم على تقليل الاعتماد على الجنود البشر، واستبدالهم تدريجيًا بالروبوتات والطائرات المسيّرة.
ووفقًا لصحيفة "نيويورك تايمز" الأمريكية، قال الوزير الأوكراني إن "الأسلحة الذاتية تمثل السلاح النووي الجديد"، معتبرًا أن الدول التي تمتلك هذا النوع من التكنولوجيا ستكون الأكثر قدرة على الردع والحماية مستقبلًا.
ورغم أن استخدام الذكاء الاصطناعي في الحرب لا يزال في مراحله الأولى، فإنه بات يُستخدم بالفعل في تحديد الأهداف العسكرية، مثل كشف الدبابات المموهة أو تحليل تحركات القوات الروسية. وتسعى كييف إلى توسيع هذا الاستخدام ليشمل إدارة الهجمات والتخطيط العملياتي بصورة شبه مستقلة.
استنزاف روسيا
تعتمد الخطة التي يدفع بها فيدوروف، وتحظى بدعم الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي، على ما يُعرف بإستراتيجية "الجو والأرض والاقتصاد"، وتهدف إلى استنزاف القدرات الروسية عبر التكنولوجيا.
وتشمل الإستراتيجية اعتراض الغالبية العظمى من الصواريخ والطائرات المسيّرة الروسية، ورفع خسائر موسكو البشرية إلى مستويات تعجز معها عن تعويض قواتها، إضافة إلى استهداف البنية الاقتصادية الروسية، خصوصًا منشآت تصدير النفط.
وفي المعارض العسكرية التي تشهدها أوكرانيا مؤخرًا، ظهرت عشرات الابتكارات الجديدة؛ من طائرات انتحارية زهيدة الثمن، إلى مركبات أرضية غير مأهولة، وطائرات موجّهة بالألياف البصرية يصعب التشويش عليها إلكترونيًا.
وبدا كثير من هذه الأسلحة بدائي الشكل، بأسلاك مكشوفة وأجزاء مثبتة يدويًا، لكن فيدوروف يرى أن الكلفة المنخفضة وسهولة الاستبدال أهم من الشكل أو التعقيد الصناعي.
صراع المؤسسة العسكرية
في المقابل، لا تحظى رؤية وزير الدفاع بإجماع داخل الجيش الأوكراني. فبعض القادة العسكريين يرون أن الحديث عن "حرب الروبوتات" لا يعكس واقع الجبهات المليئة بالخنادق والمعارك التقليدية والخسائر البشرية المباشرة.
وظهر هذا الخلاف مؤخرًا بعد انتقاد مقربين من فيدوروف لعملية هجومية نفذتها وحدة أوكرانية قرب مدينة بوكروفسك باستخدام آليات مدرعة، وأسفرت عن خسائر بشرية وميدانية. وردّت الوحدة العسكرية باتهام منتقديها بتبنّي تصورات خيالية بعيدة عن ظروف القتال الحقيقية.
ورغم ذلك، تبدو وحدات ميدانية كثيرة أكثر تقبلًا للتكنولوجيا الجديدة، خصوصًا بعد الدور الكبير الذي لعبته الطائرات المسيّرة الانتحارية في تغيير طبيعة المواجهات على خطوط القتال.
بيانات الحرب
إلى جانب تطوير الأسلحة، تقود كييف مشروعًا لجمع وتحليل البيانات الضخمة الناتجة عن الحرب. وتمتلك أوكرانيا ملايين المقاطع المصورة التي التقطتها الطائرات المسيّرة خلال المعارك، وتستخدمها لتدريب نماذج الذكاء الاصطناعي على فهم سلوك الجنود والأهداف العسكرية.
وقد فتحت وزارة الدفاع الأوكرانية هذه البيانات أمام شركات غربية متخصصة في الذكاء الاصطناعي، ضمن برنامج يهدف إلى تطوير أنظمة قتالية أكثر تطورًا، مقابل حصول أوكرانيا على التكنولوجيا الناتجة عن هذه الأبحاث.
ورغم التحذيرات الحقوقية من مخاطر منح الآلات القدرة على اتخاذ قرارات قاتلة، ترى كييف أن مستقبل الحروب يتجه حتمًا نحو ساحات قتال تُدار بالخوارزميات، حيث تتواجه الأنظمة غير المأهولة بدلًا من الجنود البشر.