وصل الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، إلى العاصمة الصينية بكين أمس الأربعاء، حاملًا معه رغبة واضحة في عقد صفقات تجارية لا في افتعال مواجهات، كما ان الرجل الذي دخل البيت الأبيض قبل ستة عشر شهرًا تحت شعار استعادة الوظائف الأمريكية من الصين، يبدو اليوم أكثر ميلًا للتفاوض منه للمواجهة، في مشهد تحكمه ضغوط اقتصادية وسياسية داخلية لا تُخطئها العين.
التجارة تقود المشهد
وأشارت صحيفة "واشنطن بوست" الأمريكية، إلى أن المحور التجاري يهيمن على أجندة القمة بامتياز، في ظل هدنة اقتصادية بالغة الهشاشة تسعى واشنطن إلى تثبيتها، إذ أبقت هذه الهدنة تدفق المعادن النادرة الصينية إلى السوق الأمريكية مستمرًا، في مقابل تراجع ترامب عن أعلى تعريفاته الجمركية على البضائع الصينية.
وبحسب الصحيفة، يحرص كبار المسؤولين في الإدارة، أشد الحرص، على الإبقاء على هذا التوازن، إذ يمثل وزير الخزانة سكوت بيسينت (المصرفي السابق) العقل المدبر للتحضيرات الاقتصادية للقمة، في مؤشر واضح على أن الفريق التجاري يمسك بزمام الملف.
وفي هذا السياق، أوضح المستشار التجاري كاميرون جونسون المقيم في شنغهاي، أن مجتمع الأعمال يراهن على تمديد التوقف عن تطبيق القيود الصينية على المعادن النادرة، سواء لفترة أطول أو إلى أجل غير مسمى.
غير أنه لفت إلى أن الثمن لن يكون مجانيًا، فبكين ليست "في مزاج" لاستيعاب ضغوط جديدة، لا سيما مع تداعيات صدمة الإمدادات الناجمة عن حرب إيران التي بدأت تطول الشركات الصينية، ومن ثَّم فإن واشنطن ستُضطر على الأرجح إلى تخفيف قيودها على الصادرات أو تليين بعض التعريفات مقابل ضمان استمرار الإمدادات.
الضغوط الداخلية تُضيق هامش المناورة
لا يمكن فهم التوجه التفاوضي الأمريكي بمعزل عن السياق الداخلي الضاغط، إذ كبَّل الهجوم الأمريكي على إيران في فبراير الماضي حرية حركة ترامب، بعدما أشعل فتيل ارتفاع حاد في أسعار الطاقة أثقل الاقتصاد وأذكى سخط قاعدته الانتخابية التي انتخبته لخفض تكاليف المعيشة لا لرفعها.
يُضاف إلى ذلك أن الحرب استنزفت مخزونًا ضخمًا من الذخائر الأمريكية، ما دفع نائب الرئيس جي دي فانس وغيره من المسؤولين إلى إثارة تساؤلات علنية حول مدى الجاهزية العسكرية الأمريكية في حال اندلاع أي مواجهة في شرق آسيا.
وفي قراءتها للمشهد، قالت سارة بيران، التي شغلت منصب كبيرة الدبلوماسيين الأمريكيين في الصين في الأشهر الأولى من إدارة ترامب الثانية، إن طموحات "الصفقة الكبرى" التي كان يراودها الجانبان قبل عام تراجعت بشكل ملحوظ، مؤكدةً أن انشغال القيادتين بأجنداتهما الداخلية قلص الرغبة في الانخراط الجدي بملفات السياسة الخارجية المعقدة.
تايوان بين الإستراتيجية والمساومة التجارية
على وقع الرهانات التجارية، يطل ملف تايوان بثقله الإستراتيجي ليُعقد المشهد أكثر، إذ كشفت الصحيفة الأمريكية أن بكين ستضغط على ترامب لمراجعة مستوى الدعم الأمريكي للجزيرة، وأن الرئيس أبدى انفتاحًا صريحًا على هذا الملف، إذ قال: "نحن على بُعد 9500 ميل من تايوان، وهو على بُعد 67 ميلاً فقط"، في إشارة تُلمح إلى إعادة حسابات واشنطن.
وحين سُئل عن صفقات السلاح مع تايبيه، أجاب بأن شي جين بينج يفضل وقفها، "وسأناقش هذا الأمر، فهو أحد الملفات الكثيرة على الطاولة".
وأثار هذا التوجه قلقًا عميقًا في أوساط داعمي تايوان، فيما طالب السيناتور الجمهوري ثوم تيليس بموقف أكثر صرامة، قائلًا: "على الصين أن تكف عن كونها مدربًا شخصيًا لأعدائنا".