تواجه قوات الاحتلال الإسرائيلي في جنوب لبنان تهديدًا متزايدًا يتمثل في طائرات مسيّرة انتحارية يستخدمها حزب الله، تعتمد على تقنيات اتصال عبر الألياف البصرية تجعلها قادرة على تجاوز أنظمة التشويش والرصد التقليدية، في تطور عسكري يثير قلقًا متصاعدًا داخل المؤسسة الأمنية الإسرائيلية.
وتعتمد هذه المسيّرات الصغيرة، المزودة بكاميرات تنقل صورًا مباشرة إلى المشغّل، على كابل ألياف بصرية رفيع يربط الطائرة بمستخدمها، ما يمنع اعتراض الإشارة أو تعطيلها عبر الحرب الإلكترونية، على خلاف الطائرات المسيّرة التقليدية التي تستخدم موجات الراديو.
عالي الفعالية
نقلت صحيفة "واشنطن بوست" الأمريكية، عن مسؤولين وخبراء عسكريين، قولهم إن "هذه الطائرات تُصنّع بتكلفة منخفضة نسبيًا، تتراوح بين 300 و400 دولار للوحدة، باستخدام مكونات إلكترونية متوافرة تجاريًا وتقنيات الطباعة ثلاثية الأبعاد".
ويرى حزب الله في هذه المسيّرات وسيلة فعالة لتعويض الصعوبات التي يواجهها في الحصول على الأسلحة التقليدية، خصوصًا بعد تراجع خطوط الإمداد عبر سوريا وتزايد الضغوط العسكرية الأمريكية والإسرائيلية على إيران، الداعم الرئيسي للحزب.
وقال مسؤول في حزب الله إن "الحزب يعتمد بشكل متزايد على الطائرات المسيّرة منخفضة الكلفة محلية الصنع لتجاوز تحديات الإمداد"، مشيرًا إلى أن الحرب الروسية الأوكرانية أثبتت فاعلية هذا النوع من الأسلحة في مواجهة جيوش تمتلك قدرات تكنولوجية متقدمة.
خسائر إسرائيلية
منذ دخول وقف إطلاق النار الأخير بين إسرائيل وحزب الله حيز التنفيذ الشهر الماضي، قُتل أربعة عناصر أمنيين إسرائيليين على الأقل جراء هجمات نفذتها هذه المسيّرات، وفق تقديرات جيش الاحتلال.
وأقر مسؤولون إسرائيليون بصعوبة التعامل مع هذا النوع من التهديدات، في ظل محدودية فعالية أنظمة التشويش الإلكترونية المعتادة.
وقال رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو إن "الحكومة أمرت بإطلاق "مشروع خاص" لمواجهة خطر الطائرات المسيّرة"، مضيفا أن "الأمر سيستغرق وقتًا".
في المقابل، ذكرت إذاعة "جالاتس" العسكرية العبرية أن "الجيش الإسرائيلي يعمل على إنشاء مصنع لإنتاج "طائرات انتحارية" خاصة به، مع خطط لتصنيع آلاف الوحدات شهريًا خلال الفترة المقبلة.
تطور مستمر
يقدّر جيش الاحتلال الإسرائيلي أن حزب الله يمتلك نحو 100 مشغّل للطائرات المسيّرة موزعين في جنوب لبنان، وأنه استغل فترات الهدنة السابقة لإعادة بناء ترسانته وتدريب عناصره على استخدام هذه التقنيات.
كما يعتقد الجيش الإسرائيلي أن حزب الله بدأ يعتمد على هجمات منسقة باستخدام عدة طائرات في وقت واحد، بهدف إرباك الدفاعات الجوية وإلحاق خسائر أكبر بالقوات المنتشرة قرب الحدود.
سباق تقني
أكد مختصون في الحرب الإلكترونية أن استخدام الألياف البصرية لحماية الاتصال بين الطائرة ومشغّلها يمثل تحديًا متزايدًا للجيوش الحديثة، لكنه ليس نهاية المطاف في سباق التكنولوجيا العسكرية.
وتشمل وسائل المواجهة الحالية استخدام أشعة ميكروويف عالية الطاقة لتعطيل إلكترونيات الطائرة، أو أنظمة ليزر دقيقة، إلى جانب وسائل ميكانيكية مثل الشباك والحواجز الواقية.
كما حذّر خبراء من أن المشكلة لا ترتبط فقط بتقنية الاتصال، بل بسرعة تطور هذا النوع من الأسلحة وقدرة الجماعات المسلحة على تعديلها باستمرار باستخدام تقنيات تجارية متاحة بسهولة.
وفي هذا السياق، اعتبر باحثون إسرائيليون أن التهديد الذي تفرضه هذه المسيّرات يتجاوز الجانب العسكري المباشر، ليعكس أيضًا تحديًا استراتيجيًا يتعلق باستمرار انتشار القوات الإسرائيلية داخل جنوب لبنان، في ظل بيئة قتالية تتغير أدواتها بسرعة.