الموقع الرسمي | القاهرة الاخبارية

ماكرون يُحكم قبضته على مؤسسات فرنسا بـ"خطة التحصين الكبرى"

  • مشاركة :
post-title
الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون

القاهرة الإخبارية - سامح جريس

قبل أن يُسدل الستار على ولايته الرئاسية، يبدو أن إيمانويل ماكرون يخوض معركة صامتة لرسم ملامح فرنسا بعد رحيله، فبينما تتصدر استطلاعات الرأي قيادات اليمين المتطرف المشهد الانتخابي لعام 2027، كشفت صحيفة نيويورك تايمز أن الرئيس الفرنسي يُسابق الزمن لملء أبرز المناصب القيادية في الدولة بحلفائه المقربين، في مسعى يصفه المنتقدون بأنه "تحصين مؤسسي" يهدف إلى تقييد خلفه المحتمل من اليمين المتطرف.

مؤسسات وحسابات ما بعد الرحيل

رصدت صحيفة نيويورك تايمز سلسلة تعيينات لافتة، أجراها ماكرون في أعلى هرم الدولة الفرنسية، وكان أبرزها ترشيحه رئيس ديوانه إيمانويل مولان لرئاسة بنك فرنسا المركزي، وهو الذي شغل قبلها منصب مدير الخزانة، ما أعطاه الكفاءة التقنية اللازمة للمنصب، غير أن قربه الشديد من ماكرون جعل الترشيح مثارًا للتساؤل.

وفي فبراير الماضي، أسند الرئيس رئاسة هيئة التدقيق الوطنية، القائمة على الرقابة في الإنفاق العام، إلى وزيرة الميزانية السابقة أميلي دو مونشالان، فيما عدّه المنتقدون تناقضًا صارخًا، إذ تتولى مسؤولة حكومية سابقة الإشراف على جهاز يُفترض فيه الحياد الكامل، وهي الهيئة ذاتها التي أصدرت أخيرًا، تقريرًا مدمرًا بحق متحف اللوفر؛ إثر عملية سطو على مجوهراته، كشف عن إهمال منظومة الأمن وتقادمها.

أما التعيين الأكثر إثارةً للجدل على الإطلاق، فكان إسناد رئاسة المجلس الدستوري، الذي يُعَد أعلى هيئة قضائية ودستورية في البلاد، إلى ريشار فيران، أحد أوائل المؤيدين لماكرون ورئيس حزبه الأول، وقد أفضى غيابُ فيران عن أي تأهيل قانوني وصلاته الوثيقة بالرئيس إلى عاصفة من الانتقادات، فلم يُقر البرلمان تعيينه إلا بفارق صوت واحد.

مؤسسات على خط المواجهة

لا تعتبر هذه التعيينات مسألة بروتوكولية؛ فالمجلس الدستوري يملك صلاحية البت في دستورية القوانين والإشراف على الانتخابات، فضلًا عن الفصل في جدل قانوني قديم يتعلق بحق الرئيس في الدعوة إلى استفتاء لتعديل الدستور من دون الرجوع إلى البرلمان، وهي نقطة بالغة الحساسية، إذ أشار بنيامين موريل، المتخصص في القانون الدستوري بجامعة بانتيون-أساس في باريس، في تصريحات لنيويورك تايمز، إلى أن حزب التجمع الوطني اليميني المتشدد "يطمح إلى اختبار هذه المسألة"، مؤكدًا أن المجلس الدستوري قد "يجد نفسه في قلب المواجهة".

وقد لخص موريل المشهد بقوله إن هذه المؤسسات هي "الأقدر على تضييق نطاق القرارات السياسية"، مشددًا على أن هذه التعيينات "بعيدة كل البعد عن الحياد".

اليمين المتشدد يشن هجومًا مضادًا

لم تتوانَ قيادات التجمع الوطني عن الرد، وهي الأوفر حظًا في الوصول إلى الإليزيه، وفق كل استطلاعات الرأي، إذ وصف جوردان بارديلا، رئيس الحزب، في مقطع مصور نشره في فبراير، ما يقوم به ماكرون بأنه "سعي لإحكام القبضة على المؤسسات؛ أملًا في الإبقاء على نفوذه بعد رحيله".

أما مارين لوبن، الزعيمة البرلمانية للحزب التي تطعن حاليًا في حكم إدانتها بالاختلاس، فذهبت أبعد من ذلك، متهمةً "نظام" ماكرون بأنه "مستعد لارتكاب كل أنواع التجاوزات الأخلاقية لتنصيب المحازبين وعرقلة التداول السياسي المقبل".

في المقابل، دافع المتحدث باسم الرئاسة الفرنسية عن هذه التعيينات، مؤكدًا أن ماكرون اختار "أكفأ الكوادر وأكثرهم التزامًا"، ونافيًا أن يكون صعود اليمين المتطرف قد أثر في قراراته.

بين ترتيب البيت وحسابات العودة

يرى بعض المحللين أن التفسير السياسي لهذه التعيينات مبالغ فيه، ويقول فيليب مارلير، أستاذ السياسة الأوروبية في جامعة كوليدج لندن، لنيويورك تايمز، إن هؤلاء المعينين "مجهولون لدى الرأي العام"، وإنهم "ليسوا فاعلين سياسيين بالمعنى الحقيقي"، مُرجِعًا هذه الخطوات إلى ممارسة فرنسية متجذرة تقضي بمكافأة الحلفاء بالمناصب الرفيعة، غير أن مقربين من ماكرون يُلمحون إلى بُعد آخر، فهذه التعيينات قد تُمهد لعودته السياسية عام 2032، حين يبلغ الرابعة والخمسين، بعد أن يحول القانون الفرنسي دون ترشحه لولاية ثالثة متتالية في 2027.