الموقع الرسمي | القاهرة الاخبارية

ماكرون في القاهرة.. زيارة تؤكد أهمية مصر للأمن الأوروبي

  • مشاركة :
post-title
الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي ونظيره الفرنسي إيمانويل ماكرون في لقاء سابق

القاهرة الإخبارية - سامح جريس

في زيارة مُحمَّلة بدلالات جيوسياسية عميقة، يصل الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، اليوم السبت، إلى مصر، حاملًا معه استثمارات بقيمة مليار يورو وطموحات أوروبية واسعة لإعادة التموضع في منطقة الشرق الأوسط.

وتحاول فرنسا وأوروبا، وسط تعقيدات الحرب في غزة ومن بعدها إيران واضطرابات البحر الأحمر، وتراجع النفوذ الأوروبي في إفريقيا بناء تحالفات جديدة في أفق التأسيس لقطب جيوسياسي وازن ضِمن نظام دولي متعدد الأقطاب.

تحالف إستراتيجي واقعي

توصيف العلاقة المصرية الفرنسية اليوم لم يعد يندرج ضِمن إطار "الشراكة التقليدية" فحسب، بل يتجه تدريجيًا نحو صيغة أقرب إلى التحالف الإستراتيجي الواقعي، كما تؤكد د. منال خليفة، الباحثة السياسية وعضو حزب النهضة الفرنسي، التي ترى أن المنطقة تمر بمرحلة إعادة تشكيل توازنات عميقة جعلت فرنسا بحاجة ماسة إلى شركاء إقليميين يمتلكون ثباتًا مؤسساتيًا وقدرة على لعب دور توازن، ومصر تمثل أحد أهم هذه المراكز.

ويضع عبد الغني العيادي، مستشار البرلمان الأوروبي، هذه الزيارة في سياق أوسع، مؤكدًا أن لا يمكن قراءتها في إطار العلاقات الثنائية فقط، بل ضِمن تحولات جيوسياسية يعيشها الفضاء الأورومتوسطي منذ حرب أوكرانيا.

وأضاف: "أوروبا تحاول التحول من قوة من داخل قوة إلى قوة مركبة دولية، والشرق الأوسط في قلب المعادلة ومصر في قلب القلب".

وتلفت د. خليفة إلى أن ما يميّز هذه العلاقة اليوم ليس فقط المصالح الاقتصادية أو العسكرية، بل وجود تقاطع في مفهوم "استقرار الدولة الوطنية"، موضحة أن كلًا من القاهرة وباريس تنظران بقلق إلى سيناريوهات الفوضى الإقليمية وصعود العناصر غير الوطنية وتآكل المؤسسات في عدد من دول المنطقة، ما يخلق تفاهمًا عميقًا حول أولوية حماية الدولة ومؤسساتها قبل أي اعتبارات أيديولوجية.

انفتاح فرنسي

في ملف غزة تحديدًا، ترى ليلي جيري، الكاتبة والباحثة السياسية، أن التنسيق الفرنسي المصري ليس مجرد مجاملة دبلوماسية عابرة، بل يعكس محاولة الحكومة الفرنسية إعادة تموضع سياسي أكثر انفتاحًا على المقاربة العربية؛ خصوصًا بعد أن أثبتت المقاربات الغربية التقليدية عجزها عن إيجاد حل حقيقي.

وأضافت: "باريس باتت تدرك أن أي تسوية واقعية يجب أن تمر عبر الفاعلين العرب، وفي مقدمتهم مصر؛ بحكم دورها الأمني والجغرافي والسياسي".

وتتفق د. خليفة مع هذا التحليل، لافتة إلى أن فرنسا، رغم موقعها الغربي والتزاماتها الأوروبية، بدأت تدرك بشكل متزايد أن تجاهل منطق الحل السياسي وحقوق الفلسطينيين لم يعد قابلًا للاستمرار، خاصةً بعد الانفجار الإنساني والسياسي الذي شهدته غزة.

وأشارت إلى أن الدور المصري يبرز هنا كطرف يمتلك خبرة تاريخية وقنوات تواصل وقدرة فعلية على إدارة التوازنات المعقدة.

ثقة في مصر كقوة استقرار وشريك أمني

أجمع المحللون الثلاثة على وجود ثقة فرنسية، وأوروبية عمومًا، حقيقية في الدور المصري، لكنها ثقة ذات طبيعة براجماتية، فبحسب جيري، الأوساط الفكرية والصحفية الفرنسية لا ترى مصر مجرد وسيط، بل قوة استقرار تمتلك قدرة عملية على إدارة الأزمات، ومن الدول القليلة القادرة على مخاطبة جميع الأطراف دون أن يُنظر إليها كقوة أيديولوجية أو مشروع هيمنة إقليمي.

ويشدد العيادي على أن أوروبا تبحث اليوم عن "شركاء استقرار" في جنوب المتوسط، مستشهدًا بأرقام المفوضية الأوروبية التي تشير إلى أن حوالي 20% من التجارة العالمية و30% من حركة الحاويات العالمية تمر عبر البحر الأحمر وقناة السويس، ما يجعل استقرار مصر جزءًا من الأمن الاقتصادي الأوروبي نفسه.

وأضاف: "بعد حرب أوكرانيا، خسرت أوروبا جزءًا مهمًا من أمنها الطاقي التقليدي، وبدأت تبحث عن إعادة تموضع إستراتيجي في فضاء الشرق الأوسط وشمال إفريقيا، هنا تظهر مصر كأكبر سوق عربية بما يفوق 110 ملايين نسمة، وصاحبة أحد أهم الممرات البحرية في العالم، وفاعل مركزي في ملفات غزة وليبيا والسودان والهجرة والطاقة".

وفي ملف الهجرة تحديدًا، أشار العيادي إلى أن أوروبا تنظر إلى القاهرة كشريك أمني أساسي، مستشهدًا بتقارير وكالة "فرونتكس" التي تؤكد الانخفاض الواضح في موجات الهجرة غير النظامية القادمة من السواحل المصرية مقارنة بمسارات أخرى في المتوسط.

استثمارات تتجاوز البعد الاقتصادي

وتشير د. خليفة إلى أن الاستثمارات الفرنسية المرتقبة بقيمة مليار يورو في قطاعات النقل والطاقة والصناعة، تحمل رسائل سياسية وجيوسياسية واضحة في توقيت شديد الحساسية.

وتضيف: "عندما تقرر فرنسا ضخ استثمارات بهذا الحجم، فهي عمليًا تراهن على استقرار الدولة المصرية، وعلى موقعها المحوري في مستقبل المنطقة. المستثمر الفرنسي اليوم لا يتحرك فقط بمنطق الربح التقليدي، بل أيضًا بمنطق التموضع الإستراتيجي".

واعتبر العيادي أن هذه الاستثمارات جزء من إستراتيجية أوروبية أشمل تتجاوز المنطق التجاري البحت، موضحًا أن أوروبا حين تستثمر في النقل والطاقة والموانئ والصناعة في مصر، فهي عمليًا تستثمر في تأمين سلاسل الإمداد وتقليل الاعتماد على آسيا وضمان موطئ قدم اقتصادي في جنوب المتوسط.

وأشار المستشار الأوروبي إلى أن هناك حديثًا متزايدًا داخل المؤسسات الأوروبية عن ضرورة بناء ما يسمى "Nearshoring méditerranéen"، أي نقل جزء من القدرات الصناعية الأوروبية نحو الضفة الجنوبية للمتوسط لتقليل المخاطر الجيوسياسية المرتبطة بالصين، ومن هذا المنظور، تبدو مصر مرشحة لتكون أحد أهم المراكز الصناعية واللوجستية المرتبطة بالسوق الأوروبية خلال العقد القادم.

وتؤكد د. خليفة أن اختيار قطاعات النقل والطاقة والصناعة تحديدًا ليس عشوائيًا، فقطاع النقل يرتبط مباشرة بموقع مصر كمركز إقليمي يربط إفريقيا بالمتوسط والخليج، والطاقة أصبحت جزءًا من الأمن القومي الأوروبي بعد الحرب الأوكرانية، بينما الصناعة تعكس رغبة أوروبية في بناء شراكات إنتاجية خارج القارة ضِمن فضاءات مستقرة وقريبة جغرافيًا.

مصر بوابة أوروبا نحو أفريقيا

يؤكد العيادي أننا أمام تشكُّل تدريجي لما يسميه "سيناريو أوروبي شرق أوسطي وشمال إفريقي"، أي انتقال أوروبا من مجرد شريك اقتصادي للمنطقة إلى فاعل يسعى لإعادة بناء عمقه الإستراتيجي جنوب المتوسط.

وأضاف: "الاتحاد الأوروبي يعلم أن إفريقيا ستكون بحلول 2050 موطن ربع سكان العالم، وأن التنافس عليها بين الصين وروسيا وتركيا والخليج يتسارع بشكل غير مسبوق".

وفي هذا السياق، تتحول مصر إلى عقدة لوجستية ومنصة طاقية ومحور عبور نحو إفريقيا والبحر الأحمر والخليج.

ويكفي التذكير، بحسب العيادي، أن قناة السويس تمر عبرها سنويًا تجارة تتجاوز قيمتها تريليون دولار، وأن مصر أصبحت خلال السنوات الأخيرة مركزًا إقليميًا للغاز في شرق المتوسط.

وتشير د. خليفة إلى أن فرنسا تدرك أن مصر ليست مجرد سوق استهلاكية كبيرة، بل دولة تمتلك قدرة على التحول إلى منصة صناعية ولوجستية إقليمية، وهذا مهم جدًا في ظل التوجه الأوروبي لتقليل الاعتماد المفرط على سلاسل التوريد البعيدة بعد أزمات كورونا والحرب في أوكرانيا.

رؤية مشتركة في مواجهة الأزمات

فيما يخص إذا كانت القاهرة وباريس تمتلكان رؤية مشتركة حقيقية للتعامل مع الأزمات الإقليمية، ترى د. خليفة أن هناك تقاطعًا مهمًا في الرؤية، مع ضرورة التمييز بين "التطابق الكامل" و"التقاطع الإستراتيجي".

وأوضحت: "في ملفات مثل ليبيا وشرق المتوسط وأمن الملاحة في البحر الأحمر، هناك إدراك فرنسي متزايد بأن استقرار مصر ليس مسألة محلية، بل عنصرًا أساسيًا في استقرار الفضاء المتوسطي بأكمله".

لكنها أشارت إلى أن فرنسا تتحرك ضِمن منظومة أوروبية وأطلسية معقدة تحد أحيانًا من قدرتها على تبني مواقف مستقلة بالكامل، بينما مصر تتحرك انطلاقًا من حسابات إقليمية وسيادية أكثر مباشرة، ما قد يخلق تفاوتًا في سرعة المقاربة أو سقف المواقف السياسية.

ومع ذلك، تؤكد أن ما يجمع القاهرة وباريس اليوم هو اقتناع متزايد بأن المنطقة لم تعد تحتمل إدارة الأزمات بالمنطق التقليدي القديم، وأن المطلوب بناء توازنات جديدة تقوم على منع الانهيار الشامل للدول وإعادة الاعتبار للحلول السياسية والتنمية الاقتصادية ومواجهة التطرف والفوضى.

الشراكة الأوروبية الأشمل

يضع العيادي العلاقة المصرية الفرنسية ضِمن تحول أوسع داخل الاتحاد الأوروبي نفسه، مشيرًا إلى أن بروكسل انتقلت في السنوات الأخيرة من مقاربة تقوم على "الدروس السياسية" إلى مقاربة تقوم على "البراجماتية الإستراتيجية"، لافتًا إلى أن الاتحاد الأوروبي وقع مع مصر خلال 2024 شراكة إستراتيجية شاملة بقيمة تقارب 7.4 مليار يورو، تشمل الاستثمار والطاقة والهجرة والأمن الغذائي والتحول الأخضر.

وأكد أن هذا الرقم يكشف أن أوروبا لم تعد تنظر إلى مصر كدولة جوار فقط، بل كشريك إستراتيجي في إعادة تشكيل المجال الأورومتوسطي، مشيرًا إلى أن فرنسا تلعب دور "القاطرة السياسية" داخل أوروبا، خصوصًا بعد تراجع الدور الألماني نسبيًا؛ بسبب الأزمات الاقتصادية والطاقة.