الموقع الرسمي | القاهرة الاخبارية

روبيو في روما.. مهمة مزدوجة بين الفاتيكان وميلوني

  • مشاركة :
post-title
البابا ليو الرابع عشر ووزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو ورئيسة الوزراء الإيطالية جورجيا ميلوني

القاهرة الإخبارية - سامح جريس

يخوض وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو، هذا الأسبوع، ربما أدق جولاته الدبلوماسية منذ توليه منصبه، إذ يزور روما في رحلة غير روتينية بل محاولة لإخماد جبهتين مشتعلتين في آنٍ واحد، بين أزمة علنية مع الكرسي الرسولي باتت تُحرج واشنطن أمام العالم الكاثوليكي، وتوترات مكتومة مع حليفة أوروبية لا تستطيع أن تُجاهر بخلافها.

تبخر أوراق الضغط الأمريكية

تشير مجلة "بوليتيكو " الأمريكية، إلى أن قضية العلاقة مع الفاتيكان تُمثل الاختبار الأصعب في هذه الزيارة، لأن واشنطن تدخل هذا الاجتماع من بوابة غير مألوفة عليها، وهي بلا أوراق ضغط حقيقية، إذ تدهورت العلاقة مع الرئيس دونالد ترامب بوتيرة متسارعة منذ انتخاب البابا ليو الرابع عشر، حيث وصف ترامب البابا علنًا بأنه "ضعيف" و"فظيع"، ثم ذهب أبعد من ذلك باتهامه بـ"تعريض كثير من الكاثوليك للخطر".

هذه التصريحات لم تمر مرور الكرام في روما، إذ سارع وزير الخارجية الإيطالي أنطونيو تاياني إلى التعبير علنًا عن تضامنه مع البابا عبر منصة إكس، في رسالة واضحة تُدرك فيها حكومة ميلوني حجم الاضطراب الذي تُحدثه هذه الهجمات لدى قاعدتها الكاثوليكية المحافظة.

وفي هذا السياق، كشف المسؤول الفاتيكاني الرفيع والكاهن اليسوعي أنطونيو سبادارو، لبوليتيكو، عن أن هذه الزيارة "وُلدت من رحم أزمة وهي مصمَمة لإدارة تداعياتها"، مضيفًا أن المشكلة تكمن في أن الأزمة "بدلًا من أن تخفت قبيل اللقاء، تعود للاشتعال على الموعد".

وذهب "سبادارو" إلى أبعد من ذلك في وصفه للإدارة الأمريكية بأنها "غير متسقة وتفتقر أحيانًا إلى إستراتيجية واضحة"، موضحًا أنه بينما يمد روبيو يده لإعادة العلاقة إلى مسارها المؤسسي، يواصل ترامب تدمير السقف الدبلوماسي الذي تحاول إدارته إعادة بنائه.

أما خبير شؤون الفاتيكان من معهد أبيا في روما فرانشيسكو سيشي، فجسَّد المعضلة الأمريكية بعبارات قاطعة لبوليتيكو: "لا أحد يملك أوراق ضغط على الفاتيكان.. بعد ألفي عام لا يزالون شامخين في القمة، لا يخشون التعريفات الجمركية، ولا يحتاجون الدعم الأمريكي، ولا تؤثر فيهم الضغوط السياسية التي تُشكل عادةً مسار المفاوضات الدبلوماسية"، وهو ما يضع روبيو في موقع الطالب لا المفاوض، والمستعطف لا الضاغط.

وتشمل المحادثات المرتقبة مع البابا ملفات الشرق الأوسط وإيران، فضلًا عما وصفته وزارة الخارجية الأمريكية بـ"المصالح المشتركة في نصف الكرة الغربي"، وفي مقدمتها ملف كوبا.

وعلى الرغم من التكهنات بأن روبيو -الكوبي الأصل- قد يسعى للحصول على موافقة الفاتيكان على أي تحرك عسكري أمريكي محتمل في الجزيرة، نفى مسؤول أمريكي هذه الرواية جملةً وتفصيلاً لبوليتيكو، مؤكدًا أن روبيو "لن يستأذن أحدًا.. وإن قرر الرئيس ترامب التحرك لحماية الأمن القومي فلن يطلب إذن البابا".

ولخَّص سيشي المشهد برمته لبوليتيكو في عبارة لافتة: "روبيو قادم أساسًا للبابا.. وميلوني طبق جانبي".

الحليفة المضغوطة التي تلعب بهدوء

على الجانب الآخر من الزيارة، يطل روبيو على رئيسة الوزراء الإيطالية جيورجيا ميلوني، من موقع أكثر قوةً وتأثيرًا، إذ تقف إيطاليا تحت وطأة تهديدات بسحب القوات الأمريكية وفرض رسوم جمركية على السيارات الأوروبية، ما يمنح واشنطن اليد العليا وتمنح ميلوني حافزًا قويًا للإبقاء على الأجواء بناءة.

وبادرت روما بإشارات تهدئة واضحة قبيل الزيارة، إذ أعلنت ميلوني -عبر إكس- أن "حرية الملاحة مبدأ أساسي من مبادئ القانون الدولي"، تزامنًا مع مساعي ترامب لإعادة فتح مضيق هرمز.

كما قال وزير الدفاع الإيطالي جيدو كروسيتو، خلال يوم القوات المسلحة الإيطالية: "من واجبنا ضمان قدرة إيطاليا على الدفاع عن نفسها"، في رسالة تتماهى مع المطالب الأمريكية المتكررة برفع دول الناتو لإنفاقها الدفاعي.

وبحسب ما نقلته "بوليتيكو" عن المحلل فيليبو سيمونيلي، من معهد الشؤون الدولية في روما، ستسعى ميلوني إلى ترجمة هذا الانسجام في شكل التزامات دفاعية طويلة المدى بعيدًا عن التنازلات العلنية الفورية، مشيرًا إلى أن اجتماع كروسيتو يُوحي بأن ثمة تحرك ملموس يتهيأ في هذا الاتجاه، غير أن ميلوني تتحرك داخل هامش ضيق، إذ إن الرأي العام الإيطالي بات أكثر تحفظًا تجاه ترامب منذ اندلاع الحرب على إيران، فيما يضغط اليمين عليها قبيل انتخابات العام المقبل، بينما لا تزال رسائل ترامب تُحرك أجزاء من قاعدتها الانتخابية.

هذا التوازن الدقيق يجعل الانسجام الهادئ خيارًا أجدى من المواجهة أو الاستسلام العلني، وفق سيمونيلي.

ويُساعد ميلوني في إدارة هذا الملف أن المبعوث الأمريكي هو روبيو تحديدًا، الذي يحظى بصورة في روما أقرب إلى الجمهوري الدولي التقليدي ما قبل 2016، لا إلى شخصيات مثل نائب الرئيس جي دي فانس الذي تنظر إليه العواصم الأوروبية بعين الريبة، كما أن روبيو بنى رصيدًا من حسن النية مع روما من خلال تعاونه مع تاياني في الملف الفنزويلي وجهود الإفراج عن محتجزين إيطاليين.