ماذا سيحل بكوبا؟.. سؤال اكتسب أبعادًا جديدة مربكة في أعقاب توقيع الرئيس الأمريكي دونالد ترامب أمرًا تنفيذيًا في 29 فبراير الماضي، يتعهد فيه بفرض رسوم جمركية إضافية باهظة على أي دولة تزوّد الجزيرة الكاريبية بالنفط الذي لم تعد فنزويلا، داعمها الاقتصادي الرئيسي، قادرة على توفيره، بحسب ما أوردته مجلة "تايم" الأمريكية.
مع مرور الأيام، أدى الحصار الأمريكي على الطاقة -على بلدٍ مُنهكٍ أصلاً بنقصٍ مزمنٍ في الوقود وعجزٍ مطبقٍ عن توليد كهرباء موثوقة- إلى شللٍ شبه تام في الحياة على هذه الجزيرة الكاريبية. إن عدم القدرة على استيراد الوقود، وانقطاع التيار الكهربائي لفترات طويلة، وانهيار وسائل النقل العام، وتراجع الأنشطة الاقتصادية والتجارية، فضلًا عن الغياب شبه التام للسياح - المصدر الرئيسي لدخل كوبا - كل ذلك يثير تساؤلًا وجوديًا أكثر عمقًا: إلى متى يُمكن للبلاد أن تتحمل هذا الوضع؟
أكدت الحكومة الكوبية مجددًا استعدادها للدخول في حوار، بشرط احترام سيادتها الوطنية. لكن من الصحيح أيضًا أن السلطة التنفيذية الأمريكية تواصل ممارسة الضغط على كوبا من خلال الحظر المفروض عليها منذ عام 1962 الذي يتم تشديده باستمرار، بهدف صريح هو إحداث تغيير في النظام في الجزيرة المجاورة.
وماذا عن الكوبيين؟.. في بلد يعاني من أزماتٍ متعددةٍ ومتفاقمة، ازدادت الحياة اليومية صعوبة، تضاءلت القدرة الاقتصادية للحكومة بشكل حاد لدرجة أن معظم ما يأكله المواطن الآن لم يعد يأتي من برنامج "لا كاناستا باسيكا" الحكومي - وهو البرنامج الذي يُوفر الإمدادات الغذائية الأساسية للمواطنين بأسعار مدعومة.
يضطر الكوبيون الآن إلى اللجوء إلى الشركات الخاصة التي تم تقنينها أخيرًا لشراء الضروريات -كالدجاج والزيت ومستلزمات النظافة- بأسعارٍ باهظةٍ بشكلٍ غير مُتناسب، في مجتمعٍ يبلغ فيه متوسط الراتب الشهري نحو 6000 بيزو، أي ما يُقارب 12 دولارًا أمريكيًا. وقد يصل المعاش التقاعدي الشهري إلى 3000 بيزو.
واقع مؤلم
في قلب هافانا، يقف "خوسيه لوبيز" داخل متجر تمويني حكومي شبه خاوٍ، لم يزره زبون واحد خلال أسبوعين، الأرفف التي كانت تعج بالسلع خلال طفولته باتت اليوم فارغة، بالكاد تحمل القليل من الأرز والسكر، في مشهد يلخص التحول العميق الذي شهدته منظومة "دفاتر التموين" في كوبا، بحسب "بوليتيكو" الأمريكية.
هذه الدفاتر، التي أطلقها الزعيم الكوبي فيدل كاسترو في ستينيات القرن الماضي، كانت يومًا ضمانة أساسية لتأمين الغذاء المدعوم للأسر، إذ كانت تكفي لتغطية احتياجات شهر كامل من السلع الأساسية، أما اليوم، فقد تقلصت إلى ما يشبه "دفتر جيب" لا يوفر سوى جزء يسير من احتياجات المواطنين، في وقت تتفاقم فيه الأزمة الاقتصادية وترتفع الأسعار إلى مستويات غير مسبوقة.
تتسم الحياة في كوبا بصعوبات اقتصادية بالغة، تتجلى في نقص مزمن في الغذاء والوقود والدواء، إلى جانب انقطاعات متكررة للتيار الكهربائي. تواجه البلاد أزمة كبيرة ومتعددة الأوجه، مع بنية تحتية متهالكة وأسعار باهظة للسلع الأساسية.
لم يعد كثير من الكوبيين قادرين على الاعتماد على هذه الحصص المحدودة، في ظل فجوة صارخة بين الدخول والأسعار، فمتوسط الرواتب لا يتجاوز بضعة آلاف من البيزو، أي ما يعادل نحو 16 دولارًا شهريًا، بينما يصل سعر كرتونة البيض وحدها إلى ما يعادل 125 دولارًا. ومع اعتماد البلاد على استيراد نحو 80% من غذائها، تبدو الدولة عاجزة عن سد هذا العجز المتفاقم.
النتيجة أن أنماط الحياة نفسها تغيّرت. وجبات الطعام التي كانت تضم اللحوم والخضروات المتنوعة أصبحت تقتصر على الأرز وقليل من المكونات البسيطة، وأحيانًا لا يجد البعض ما يأكله على الإطلاق.
تتحدث آنا إنامورادو، وهي سيدة في أواخر الستينيات، إلى مجلة"بوليتيكو" الأمريكية، عن واقع يومي قاسٍ، حيث تعتمد على وجبة واحدة في اليوم، وتقول إن الحياة باتت "تُعاش على الذكريات".
معاناة يومية
ولا تقف الأزمة عند حدود الغذاء فقط، بل تمتد إلى تفاصيل الحياة اليومية، من الخبز الذي تقلص وزنه إلى النصف وارتفع سعره بشكل كبير، إلى تراجع الامتيازات الاجتماعية التي كانت تُمنح في مناسبات عمرية، في انعكاس واضح لضغوط اقتصادية متزايدة.
ورغم أن الكوبيين واجهوا أزمات مشابهة في التسعينيات خلال ما عُرف بـ"الفترة الخاصة" بعد انهيار الدعم السوفيتي، فإن كثيرين يرون أن الوضع الحالي أكثر قسوة، في ظل تزامن عدة أزمات، من نقص الوقود وانقطاع الكهرباء إلى تراجع الإنتاج المحلي وارتفاع معدلات التضخم.
وتتداخل العوامل الداخلية مع سياق خارجي معقد، إذ تلقي هافانا باللوم جزئيًا على العقوبات الأمريكية المفروضة منذ عقود. فالعلاقات المتوترة بين الولايات المتحدة وكوبا، التي تعود جذورها إلى ما بعد ثورة 1959، أسفرت عن حظر اقتصادي وتجاري طويل الأمد، جرى تشديده في السنوات الأخيرة، خصوصًا في قطاعات حيوية مثل الطاقة والتحويلات المالية. وترى الحكومة الكوبية أن هذه القيود تعرقل قدرتها على استيراد السلع الأساسية، فيما تشير تحليلات أخرى إلى أن السياسات الاقتصادية الداخلية تلعب دورًا لا يقل تأثيرًا في تعميق الأزمة.
في هذا السياق، يعتمد نحو 60% من الكوبيين على تحويلات مالية من الخارج كطوق نجاة، بينما يظل آخرون بلا هذا الدعم، يواجهون واقعًا اقتصاديًا قاسيًا يجعل تأمين الاحتياجات الأساسية تحديًا يوميًا.
وبينما تتواصل محاولات الحكومة لإصلاح النظام، سواء عبر إعادة هيكلة الدعم أو التفكير في تحويله من دعم للسلع إلى دعم مباشر للأفراد، يبقى المشهد العام معبرًا عن أزمة مركبة، تتقاطع فيها السياسة بالاقتصاد، والتاريخ بالواقع، لتجعل من دفتر التموين رمزًا لتحول عميق في حياة الكوبيين، من ضمان الاستقرار إلى عنوان للمعاناة اليومية.