أفاد تقرير بثته شبكة "CBS News" أن العلاقات بين الولايات المتحدة وكوبا تُعد واحدة من أطول وأعقد العلاقات المتوترة في السياسة الدولية الحديثة، إذ امتدت من نهاية القرن التاسع عشر حتى اليوم عبر مراحل من التدخل العسكري والنفوذ السياسي والحصار الاقتصادي، مع محاولات محدودة للتقارب لم تنجح في إنهاء حالة العداء المستمرة.
زاد التوتر بين كوبا والولايات المتحدة بعد العملية التي نفذتها قوات "دلتا" الأمريكية في فنزويلا، وألقت القبض خلالها على الرئيس نيكولاس مادورو وزوجته، ما أثار مخاوف من نهج أمريكي أكثر عدوانية في المنطقة.
ومع تراجع إمدادات النفط القادمة من فنزويلا، وتهديد واشنطن بفرض رسوم جمركية مرتفعة على الدول التي تزيد صادراتها إلى كوبا، قال ترامب إن كوبا "مستعدة للسقوط"، داعيًا هافانا إلى التوصل إلى اتفاق قبل فوات الأوان.
وبحسب التقرير، بدأت جذور هذا الصراع في عام 1898 خلال الحرب الإسبانية الأمريكية، عندما تدخلت الولايات المتحدة في الصراع الكوبي ضد الاستعمار الإسباني، ما أدى إلى هزيمة إسبانيا وبداية مرحلة نفوذ أمريكي واسع على الجزيرة، قبل أن تحصل كوبا لاحقًا على استقلال شكلي مع استمرار تأثير واشنطن في شؤونها الداخلية.
النفوذ المبكر
تعمّقت العلاقات خلال العقود الأولى من القرن العشرين، حيث شهدت كوبا توسعًا كبيرًا في الاستثمارات الأمريكية، خاصة في قطاعات السكر والبنية التحتية، إلى جانب وجود سياسي وعسكري غير مباشر، ما جعل الاقتصاد الكوبي شديد الارتباط بالولايات المتحدة، وأدى إلى تصاعد التوترات الاجتماعية والسياسية داخل الجزيرة مع مرور الوقت.
في الوقت نفسه، ظلت الحكومات الكوبية المتعاقبة مرتبطة بشكل وثيق بالمصالح الأمريكية، خصوصًا خلال فترة حكم فولجينسيو باتيستا، الذي اعتمد على دعم سياسي واقتصادي من واشنطن، وهو ما ساهم في تعميق الانقسام الداخلي داخل المجتمع الكوبي وتهيئة الظروف لمرحلة تحول جذري لاحقة.
الثورة والتحول
سرعان ما تغيّر المشهد السياسي بشكل جذري بعد انتصار الثورة الكوبية عام 1959 بقيادة فيدل كاسترو، حيث تم إسقاط نظام باتيستا وإعلان توجه اشتراكي جديد في البلاد، وهو ما اعتبرته الولايات المتحدة تهديدًا مباشرًا لمصالحها الإستراتيجية في منطقة البحر الكاريبي خلال الحرب الباردة.
إلى جانب ذلك، اتجهت الحكومة الثورية في هافانا إلى تأميم ممتلكات الشركات الأمريكية، ما أدى إلى تصاعد التوتر بشكل سريع وقرار واشنطن بقطع العلاقات الدبلوماسية مع كوبا في أوائل الستينيات، لتبدأ مرحلة طويلة من القطيعة السياسية والاقتصادية بين البلدين.
وفرضت الولايات المتحدة حصارًا اقتصاديًا واسع النطاق على كوبا عام 1962، شمل التجارة والاستثمارات والتحويلات المالية، وهو أحد أطول العقوبات الاقتصادية في التاريخ الحديث، واستمر تأثيره لعقود لاحقة على الاقتصاد الكوبي ومستوى معيشة السكان.
كما شملت سياسة واشنطن دعم محاولات متعددة لعزل النظام الكوبي دوليًا، إلى جانب عمليات سرية ومحاولات ضغط سياسي، في وقت عززت فيه هافانا علاقاتها مع الاتحاد السوفيتي، ما جعل كوبا جزءًا من المعسكر الشرقي في مواجهة مباشرة مع الولايات المتحدة خلال الحرب الباردة.
أزمة الصواريخ
بلغت التوترات ذروتها خلال أزمة الصواريخ الكوبية عام 1962، عندما اكتشفت الولايات المتحدة نشر الاتحاد السوفيتي صواريخ نووية في كوبا، ما أدى إلى فرض حصار بحري أمريكي على الجزيرة، ودفع العالم إلى حافة مواجهة نووية غير مسبوقة.
وسرعان ما انتهت الأزمة بتوصل واشنطن وموسكو إلى اتفاق دبلوماسي يقضي بسحب الصواريخ مقابل التزامات أمنية، لكن الأزمة تركت أثرًا عميقًا على العلاقات بين الولايات المتحدة وكوبا، ورسّخت حالة العداء وعدم الثقة التي استمرت لعقود طويلة لاحقة.
وفي السنوات التالية، استمرت سياسة العزلة الأمريكية تجاه كوبا، مع الحفاظ على الحصار الاقتصادي وتقييد العلاقات الدبلوماسية والتجارية، بينما اعتمدت كوبا على الدعم السوفيتي سياسيًا واقتصاديًا، ما أبقى العلاقات في حالة جمود شبه كامل حتى نهاية الحرب الباردة.
وفي فترات لاحقة، ظهرت محاولات محدودة لإعادة بناء العلاقات، شملت انفتاحًا نسبيًا خلال بعض الإدارات الأمريكية، بما في ذلك خطوات لإعادة فتح القنوات الدبلوماسية وتخفيف بعض القيود، لكنها لم تؤدِ إلى تغيير جذري في بنية العلاقة بين البلدين.
محاولات تقارب
وشهدت بداية العقد الماضي مرحلة تقارب نسبي بين البلدين، شملت استئناف العلاقات الدبلوماسية جزئيًا وفتح حوار سياسي محدود، غير أن هذا المسار تعرض للتراجع مع تغيّر السياسات الأمريكية لاحقًا وعودة نهج أكثر تشددًا تجاه هافانا.
كما استمرت الخلافات حول ملفات حقوق الإنسان والسياسات الاقتصادية والدور الإقليمي لكوبا، ما جعل أي تقدم في العلاقات عرضة للتعثر، رغم وجود مصالح مشتركة في بعض الملفات الإنسانية والتجارية المحدودة.
إلى جانب ذلك، تشير التطورات الراهنة إلى استمرار حالة التوتر بين البلدين، مع بقاء العقوبات الاقتصادية قائمة إلى حد كبير، واستمرار الخلافات السياسية حول طبيعة النظام الكوبي ودوره الإقليمي، وسط غياب اختراق حقيقي في مسار العلاقات الثنائية.
وفي الوقت نفسه، يظل الإرث التاريخي للصراع بين الولايات المتحدة وكوبا عاملًا رئيسيًا في تشكيل طبيعة العلاقة الحالية، حيث تمتزج الحسابات الجيوسياسية بالمخاوف الأمنية والاعتبارات الاقتصادية، ما يجعل أي تغيير مستقبلي مرهونًا بتطورات سياسية أوسع في واشنطن وهافانا.