تعيش كوبا أسوأ أزمة اقتصادية وإنسانية منذ الثورة الشيوعية عام 1959، في ظل سياسة خناق اقتصادي أمريكية غير مسبوقة، تستهدف قطع شريان الحياة عن الجزيرة الكاريبية، كما أن مشاهد الجوع وانقطاع الكهرباء والوقود باتت واقعًا يوميًا لملايين الكوبيين، بينما تراهن إدارة ترامب على إجبار النظام الشيوعي على الاستسلام.
أزمة إنسانية غير مسبوقة
كشفت صحيفة فاينانشيال تايمز البريطانية عن تفاقم الأوضاع الإنسانية في هافانا، إذ تحولت مشاهد التفتيش في أكوام القمامة بحثًا عن الطعام، إلى واقع يومي.
"الدولة لا تعطينا شيئًا، الآن نعتمد على أنفسنا"، هكذا وصف أحد المواطنين الوضع للصحيفة، كما أن المتاجر الحكومية باتت شبه فارغة، ولا تعرض سوى بعض الصلصات وحساء الطماطم المُعلَّب، بينما تفتقر الصيدليات للمضادات الحيوية والمسكنات الأساسية.
وبحسب فاينانشيال تايمز، حذر دبلوماسيون ومسؤولون أمميون من تفشي الأوبئة وانتشار المجاعة، كما قال دبلوماسي لاتيني في هافانا: "الأمريكيون يتعمدون خلق أزمة إنسانية في بلد لم يشهدها من قبل، هذه حرب تُشن بوسائل أخرى".
إستراتيجية ترامب
تشير الصحيفة البريطانية إلى أنه، عقب القبض على الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو مطلع يناير، تسعى إدارة ترامب لتكرار السيناريو في كوبا، كما أصدر ترامب أمرًا تنفيذيًا، في 29 يناير، يعتبر الجزيرة "تهديدًا استثنائيًا" للأمن القومي الأمريكي، مانحًا واشنطن صلاحية فرض تعريفات جمركية على أي دولة تبيع كوبا النفط.
أوضحت فاينانشيال تايمز أن كوبا تنتج 30 ألف برميل نفط يوميًا فقط من أصل 110 آلاف برميل تحتاجها، بينما توقفت إمدادات النفط الفنزويلية منذ ديسمبر.
وصف الرئيس ميجيل دياز كانيل، الأمر الأمريكي بأنه "فاشي وإجرامي"، لكنه أعلن استعداده لمحادثات مع واشنطن "دون شروط مسبقة"، إلا أن رد ترامب: "بدأنا الحديث مع كوبا، أعتقد أنهم سيأتون ويريدون إبرام صفقة".
انهيار البنية التحتية
يواجه الكوبيون انقطاعات كهربائية مستمرة، بدأت بشكل حاد عام 2024 بعد تعطل المولدات السوفيتية القديمة، إذ ينقطع التيار الكهربائي في أحياء هافانا معظم الوقت، بينما قد يمتد الانقطاع خارج العاصمة لأكثر من يوم كامل، وفق الصحيفة، كما تصطف السيارات في طوابير طويلة لساعات للحصول على الوقود، فيما تكدست القمامة في الشوارع بعد توقف شاحنات النظافة، في حين تزدهر تجارة الشموع حيث يأتي الناس من مدن بعيدة لشرائها.
نقلت فاينانشيال تايمز عن جون كافوليتش، رئيس مجلس التجارة الأمريكي الكوبي، قوله: "عشت أزمة التسعينيات بعد سقوط الاتحاد السوفيتي، لكن ما يحدث الآن أشد قسوة".
تشير الصحيفة البريطانية إلى أن راتب الطبيب أو الأستاذ الجامعي لا يتعدى 20 دولارًا شهريًا، ومعاش المتقاعد نصف هذا المبلغ، كما يقول صاحب مطعم: "حين يكون دخلك 3000 بيزو ومصاريف طعامك الأساسية 10000 بيزو، ينعدم الأمل تمامًا"، كما يلجأ بعض الكوبيين لمخدر رخيص يسمى "الكيميائي" شديد الإدمان، بينما يعتدي آخرون على المارة بالسكاكين ليلًا لسرقة المال أو الطعام.
رهان خاسر
راهنت الحكومة على انتعاش السياحة بعد كورونا، فأنفقت مئات الملايين على فنادق فاخرة عبر شركة "جايسا" التي تسيطر على نصف الاقتصاد، كما كشف رجل أعمال كوبي للفاينانشيال تايمز: "المسؤولون توقعوا مجيء مليون إلى مليوني سائح صيني وروسي بعد الجائحة، لكنهم لم يأتوا أبدًا".
وتشير الصحيفة إلى أن البرج الذي كُلِّف 200 مليون دولار ويضم 42 طابقًا وأكثر من 500 غرفة فندقية فاخرة، يعكس حجم الفشل، إذ وجدت أن أحد الفنادق يستقبل ضيوفًا معدودين فقط.
ذكرت الصحيفة البريطانية أنها لاحظت خلال زيارة الفندق وجود تسعة موظفين يستقبلون طاقم طيران شركة إيبيريا الإسبانية كضيوف وحيدين، بينما وقف ثلاثة نوادل في إحدى الصالات العلوية يخدمون زبونًا واحدًا فقط.
أدى قرار ترامب عام 2021 بحرمان زوار كوبا من الإعفاء من التأشيرة، إلى انهيار السياحة الأوروبية، وفق أصحاب فنادق.
استهدفت واشنطن أيضًا برنامج تصدير الأطباء الذي كان يُدر 8 مليارات دولار سنويًا، بحسب الخارجية الأمريكية، بإلغاء تأشيرات المسؤولين عنه، واصفة إياه بـ"نظام عمالة قسرية".
كما تشير الصحيفة إلى أن كوبا فقدت معظم حلفائها، فروسيا منشغلة بحرب أوكرانيا والصين لديها أولويات أخرى، فيما تقلص عدد الحلفاء في أمريكا اللاتينية بعد التحول اليميني بالمنطقة.
وجاءت الضربة الكبرى باعتقال مادورو، الحليف الأهم لهافانا، إذ كانت فنزويلا تزود كوبا بأكثر من نصف احتياجاتها النفطية وتقدم مليارات الدولارات.