لم يكن مفاجئًا قرار وزارة الدفاع الأمريكية بسحب جزء من قواتها من ألمانيا، وسط التوترات المتصاعدة بين واشنطن وشركائها الأوروبيين. فالقرار الذي كان متوقعًا منذ أشهر أعاد الحديث حول مستقبل الترتيبات الأمنية في أوروبا، واحتمالات تراجع الدور الأمريكي داخل حلف شمال الأطلسي، واتهام الرئيس الأمريكي دونالد ترامب الدول الأوروبية بالاعتماد المفرط على الولايات المتحدة في الدفاع، خاصة مع الخلافات المرتبطة بالحرب مع إيران.
قرار الانسحاب
أعلنت وزارة الدفاع الأمريكية سحب 5000 جندي من ألمانيا، في خطوة توقعتها الدول الأوروبية منذ أشهر، في ظل انتقادات ترامب المستمرة لحلف الناتو واتهامه لدول أوروبا بعدم تحمل مسؤولياتها الدفاعية.
ورغم التوقعات المسبقة، أثار القرار مخاوف أوروبية من تداعياته، خاصة مع احتمال أن يكون بداية لانسحاب أوسع، إذ كان ترامب قد ألمح سابقًا إلى إمكانية الانسحاب الكامل من الحلف، وهو ما قد يزعزع منظومة الأمن الأوروبية.
وجاء القرار أيضًا في ظل توترات سياسية، حيث انتقد ترامب الدول الأوروبية لعدم انضمامها إلى الحرب ضد إيران، ويرى مراقبون، وفق صحيفة "نيويورك تايمز"، أن الخطوة تحمل أبعادًا سياسية تتجاوز الجانب العسكري المباشر.
معاقبة ألمانيا
جاء الإعلان بعد تصريحات للمستشار الألماني فريدريش ميرتس، قال فيها إن إيران تذل الولايات المتحدة في المفاوضات، واعتبر أن ترامب يفتقر إلى استراتيجية واضحة. وهذه التصريحات أثارت غضب الرئيس الأمريكي.
ورد ترامب على ميرتس قائلًا إنه لا يفهم ما يقول، وأعلن أنه سيدرس سحب القوات الأمريكية من ألمانيا، كما دعا المستشار الألماني إلى التركيز على قضايا بلاده الداخلية بدلًا من التدخل في ملفات أخرى.
ووفقًا لمسؤولين حكوميين نقلت عنهم صحيفة "نيويورك تايمز"، فإن قرار الانسحاب الجزئي يهدف إلى معاقبة ألمانيا على مواقفها، بما في ذلك رفضها الانضمام إلى العمليات العسكرية ضد إيران.
تفاصيل الانتشار
بحسب إعلان البنتاجون، سيتم سحب 5000 جندي خلال فترة تتراوح بين ستة أشهر وسنة، وهو ما يمثل نحو 14% من إجمالي 36,000 جندي متمركزين في ألمانيا حتى نهاية 2025.
كما قررت الولايات المتحدة إلغاء خطة نشر وحدة صواريخ بعيدة المدى في ألمانيا، وهي خطوة كانت تُعد جزءًا أساسيًا من جهود الردع ضد أي تهديد روسي محتمل.
ورغم ذلك، ستظل ألمانيا تحتضن وجودًا عسكريًا أمريكيًا كبيرًا، حيث يتمركز فيها نحو 53,000 جندي، لتبقى ثاني أكبر موقع انتشار أمريكي خارج الولايات المتحدة بعد اليابان.
أهمية ألمانيا
ينتشر الجنود الأمريكيون في نحو 40 منشأة داخل ألمانيا، من بينها قاعدة رامشتاين الجوية التي تُعد الأكبر في أوروبا، وتضم حوالي 8,500 فرد، إضافة إلى مقر القيادة الأوروبية والإفريقية في شتوتجارت.
وتضم ألمانيا أيضًا بعض الأسلحة النووية الأمريكية، ما يعزز أهميتها الإستراتيجية ضمن منظومة الدفاع الغربي، كما تُستخدم القواعد هناك كنقاط لوجستية رئيسية للعمليات العسكرية الأمريكية في الشرق الأوسط.
وشهد الوجود الأمريكي في ألمانيا تراجعًا تدريجيًا منذ الحرب العالمية الثانية، لكنه ظل عنصرًا أساسيًا في موازنة النفوذ الروسي ودعم العمليات العسكرية الأمريكية حول العالم.
ردود أوروبية
صرح وزير الدفاع الألماني بوريس بيستوريوس بأن القرار كان متوقعًا، مؤكدًا أهمية الوجود الأمريكي لكل من ألمانيا والولايات المتحدة، مع دعوة أوروبا لتحمل مسؤولية أكبر عن أمنها.
في المقابل، صدرت انتقادات أكثر حدة من مسؤولين ألمان، حيث اعتبر النائب بيتر باير أن خطوات ترامب تعكس ردود فعل سياسية ناتجة عن ضغوط داخلية وخارجية.
كما أبدى نائب المستشار لارس كلينجبايل رفضه لتصريحات ترامب، قائلًا إن ألمانيا ليست بحاجة إلى نصائحه، داعيًا الرئيس الأمريكي إلى التركيز على أزماته الداخلية.
مخاوف الناتو
تشعر الدول الأوروبية بقلق متزايد من احتمال تراجع الدور الأمريكي داخل الناتو، وما قد يترتب على ذلك من تعزيز طموحات روسيا، خاصة في ظل ما تصفه أوروبا بالحرب الهجينة.
وأعرب رئيس الوزراء البولندي دونالد توسك عن قلقه من تفكك التحالف عبر الأطلسي، محذرًا من أن التهديد الأكبر قد يأتي من داخل التحالف نفسه وليس من خارجه.
ومن جانبه، أكد حلف الناتو أنه يعمل مع الولايات المتحدة لفهم تفاصيل القرار، مشددًا على ضرورة زيادة الاستثمارات الدفاعية الأوروبية لضمان استمرار الردع.
تداعيات أوسع
إلى جانب الانسحاب العسكري، تزايدت المخاوف الأوروبية من تأخر صفقات الأسلحة الأمريكية، خاصة مع استنزاف المخزونات بسبب الحرب مع إيران.
وذكرت صحيفة "فايننشال تايمز" أن واشنطن حذرت حلفاءها من تأخيرات محتملة في تسليم الأسلحة، في ظل أولوية إعادة بناء المخزون العسكري الأمريكي.
كما أعلنت الولايات المتحدة صفقات تسليح كبيرة مع دول في الشرق الأوسط، ما يعزز الانطباع بوجود تحول تدريجي في أولوياتها الإستراتيجية بعيدًا عن أوروبا.