الموقع الرسمي | القاهرة الاخبارية

5000 جندي يحزمون حقائبهم.. رسالة ترامب التي لم يفكّ شفرتها الألمان

  • مشاركة :
post-title
المستشار الألماني فريدريش ميرز داخل قاعدة عسكرية في مونستر بألمانيا

القاهرة الإخبارية - أحمد صوان

في الوقت الذي أطلق فيه الرئيس الأمريكي دونالد ترامب سلسلةً من المنشورات على وسائل التواصل الاجتماعي ينتقد فيها ألمانيا خلال الأسبوع الماضي، بما في ذلك تهديدٌ بسحب بعض القوات الأمريكية من البلاد، لم يُظهر القادة الألمان أي علامات علنية تدل على أنهم يعتقدون أنه كان جادًا، لكن يبدو الآن أن ذلك كان خطأً في التقدير.

وصرّح الرئيس الأمريكي في وقت سابق بأنه سيتم اتخاذ "قرار" بشأن الوجود العسكري الأمريكي في ألمانيا، الذي يُعد جزءًا أساسيًا من دفاعات الناتو، لكنه حيوي أيضًا لبسط النفوذ الأمريكي في أجزاء أخرى من العالم، خلال الفترة القصيرة المقبلة.

وكان حديث ميرز حول التفوق الإيراني والمذلة الأمريكية واحدًا من عدة أخطاء ارتكبها القادة الألمان خلال حرب ترامب ضد إيران، أدت إلى أن يعلن مسؤولون في البنتاجون، الجمعة الماضي، خططًا لنقل 5000 جندي من ألمانيا.

ووصف وزير الدفاع الألماني بوريس بيستوريوس هذه الخطوة بأنها "متوقعة" في بيان صدر صباح السبت، الذي اتسم بموقف حازم، أوضح بيستوريوس خلاله أن "وجود القوات الأمريكية في أوروبا، خاصة في ألمانيا، يصب في مصلحتنا ومصلحة الولايات المتحدة"، مضيفًا أن على الأوروبيين مواصلة تحمل المزيد من المسؤولية عن أمنهم.

ووفقًا لمركز بيانات القوى العاملة التابع لوزارة الحرب الأمريكية "DMDC"، كان لدى الجيش الأمريكي، في نهاية العام الماضي، 68 ألف فرد عسكري في الخدمة الفعلية، معينين بشكل دائم في قواعده الخارجية في أوروبا، مع تمركز ما يزيد قليلًا على نصفهم في ألمانيا.

وتنتشر القوات الأمريكية عبر ما بين 20 إلى 40 قاعدة، بما في ذلك مقر قيادة "شتوتجارت" للقيادة الأوروبية وقيادة إفريقيا، اللتين تُنسّقان عمليات جميع القوات العسكرية الأمريكية في القارتين.

كما تشمل أكبر المنشآت الأمريكية قاعدة "رامشتاين" الجوية الضخمة، مقر قيادة القوات الجوية الأمريكية في أوروبا، وتضم 8500 فرد من القوات الجوية.

أيضًا، هناك خمس من أصل سبع حاميات للجيش الأمريكي في أوروبا تقع في ألمانيا، والباقي في بلجيكا وإيطاليا.

وقالت أنيتا هيبر، المتحدثة باسم المفوضية الأوروبية لشؤون الأمن والشؤون الخارجية، الخميس الماضي، إنه في حين أن الولايات المتحدة "شريك حيوي في أمن أوروبا ودفاعها"، فإن نشر القوات الأمريكية في أوروبا "يصب أيضًا في مصلحة الولايات المتحدة لدعم دورها العالمي"، حسبما نقلت صحيفة "ذا جارديان" البريطانية.

الوجود الأمريكي

يعود الوجود العسكري الأمريكي في ألمانيا إلى الحرب العالمية الثانية عام 1945. عندما استسلم النظام النازي، كان هناك 1.6 مليون جندي أمريكي في البلاد، رقم انخفض في غضون عام إلى أقل من 300 ألف جندي، وكانوا يديرون بشكل رئيسي منطقة الاحتلال الأمريكي.

واستمر الوجود الأمريكي في التضاؤل ​​حتى اندلاع الحرب الباردة، حين تطورت المهمة من اجتثاث النازية إلى إعادة بناء ألمانيا كحصن منيع ضد الاتحاد السوفيتي. وأصبحت القواعد العسكرية جزءًا لا يتجزأ من الوجود الأمريكي مع تأسيس حلف شمال الأطلسي (الناتو) وألمانيا الغربية عام 1949.

وفي ذروة الحرب الباردة، أدارت الولايات المتحدة نحو 50 قاعدة رئيسية وأكثر من 800 موقع في ألمانيا، تتراوح بين مطارات ضخمة وثكنات عسكرية ومراكز تنصت، وأُغلقت العديد منها منذ سقوط جدار برلين عام 1989 وانهيار الاتحاد السوفيتي بعد ذلك بعامين.

في الستينيات والسبعينيات والثمانينيات من القرن العشرين، تجاوز عدد القوات الأمريكية في ألمانيا في كثير من الأحيان 250 ألف جندي، مع وجود مئات الآلاف من أفراد أسرهم، الذين يعيشون داخل وحول القواعد، التي أصبحت تشبه المدن الأمريكية المكتفية ذاتيًا بمدارسها ومتاجرها ودور السينما الخاصة بها.

وكان القادة الألمان على ثقة بأن إدارة ترامب بحاجة إلى وجودها العسكري في ألمانيا. على عكس بعض الحلفاء الأوروبيين الآخرين، سمحت ألمانيا للولايات المتحدة بالمساعدة في شنّ هجمات على إيران انطلاقًا من قواعد داخل حدودها، كما استمرت في السماح بتلقي الأمريكيين المصابين العلاج في مستشفى أمريكي رئيسي على الأراضي الألمانية، الذي يستضيف منذ عقود أمريكيين مصابين في الحروب، بما في ذلك أفغانستان والعراق.

لكن في جلسات خاصة، أوضح الأمريكيون أن هذه الخطوة تهدف إلى "معاقبة ألمانيا" لعدم تقديمها المزيد من المساعدة في المجهود الحربي، كما طلب ترامب، ولانتقادها إستراتيجية الرئيس الأمريكي من أعلى المستويات، كما نقلت صحيفة "نيويورك تايمز".

وتشير الصحيفة إلى أنه "حتى ذلك الإعلان، كان الرأي السائد في الأوساط السياسية الألمانية أن ترامب كان على الأرجح يُمارس الخداع. فقد حاول، وفشل، سحب بعض القوات الأمريكية البالغ عددها 35 ألف جندي من ألمانيا في نهاية ولايته الأولى. وسيحتاج الآن إلى موافقة الكونجرس لنقل القوات من أوروبا".

قبلها، في مارس، عندما زار المستشار الألماني فريدريش ميرز، ترامب في واشنطن، قال ميرز إن الرئيس استبعد أي تهديد بتخفيض عدد القوات. وقال للصحفيين في مؤتمر صحفي باللغة الألمانية بالقرب من مبنى الكابيتول، بعد وقت قصير من لقائه ترامب: "أكد لي الرئيس ترامب أيضًا ليس اليوم فقط، بل مرة أخرى، أن الولايات المتحدة ستحافظ على وجودها العسكري في ألمانيا".

شراكة مضطربة

تجلّى استهتار ألمانيا الهادئ بشأن احتمال سحب القوات الأمريكية مرةً أخرى خلال الأسبوع الماضي، إذ لم يُقدّم ميرز أي اعتذار علني أو تراجع عن تصريحاته التي بدت عفوية، الاثنين الماضي، والتي انتقد فيها إستراتيجية ترامب الحربية بعبارات لاذعة.

وصرّح المستشار الألماني لطلاب مدرسة ثانوية في بلاده بأن الولايات المتحدة "لا تملك إستراتيجية" لإنهاء الحرب، وأن المفاوضين الإيرانيين "أهانوا" الأمة الأمريكية بأكملها.

وقال ميرز -الذي استثمر بكثافة في بناء علاقة جيدة مع ترامب على مدار العام الماضي- الخميس الماضي، للجنود الألمان في مدينة مونستر: "نحافظ على اتصال وثيق وقائم على الثقة مع شركائنا، بما في ذلك، وبشكل خاص واشنطن". وأكد أن العلاقة مع واشنطن تقوم على الاحترام المتبادل وتقاسم الأعباء الأمنية بشكل عادل.

وقال: "هذه الشراكة عبر الأطلسي مهمة بشكل خاص بالنسبة لنا، ولي شخصيًا".

وتلفت "نيويورك تايمز" إلى أن ترامب طالما فاجأ القادة الألمان بسلوكه في الحرب: "فبعد لقاء ميرز، مارس، خرج بعض المسؤولين مقتنعين بأن الصراع لن يطول، إذ أبدى ترامب بالفعل مخاوفه بشأن الآثار الاقتصادية لارتفاع أسعار الطاقة الناجم عن الحرب، لكن ترامب استمر في شن الهجمات حتى بعد ارتفاع أسعار البنزين والغاز الطبيعي بشكل حاد، نتيجةً لإغلاق إيران مضيق هرمز".

كما اعتقد المسؤولون الألمان أنهم توصلوا إلى نوع من التسوية مع الرئيس الأمريكي بشأن مطالبه بأن ترسل أوروبا أصولًا عسكرية لتأمين المضيق وجعله آمنًا للملاحة مرةً أخرى.

ومرارًا وتكرارًا، أكد ميرز أن ألمانيا ستنضم إلى هذا الجهد الأمني، بما في ذلك إرسال كاسحات ألغام، لكن بشرطين: أولًا، رغبة الألمان في وقف دائم لإطلاق النار بدلًا من الوقف المؤقت الحالي. ثانيًا، التزامًا بالدستور الألماني، اشترطوا أن يحظى هذا الجهد بموافقة هيئة دولية، كالأمم المتحدة أو الاتحاد الأوروبي.

مع هذا، يبدو أن ذلك لم يكن كافيًا لترامب، ويوم الجمعة، لم يكتفِ مسؤول في البنتاجون بالإشارة إلى تصريحات ميرز كسبب لسحب القوات، بل أشار أيضًا إلى تقاعس ألمانيا عن "المساهمة في المجهود الحربي ضد إيران".