مع إعلان الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، عن زيارة مرتقبة إلى الصين للقاء نظيره شي جين بينج، تضع بكين على طاولة قمة الزعيمين إنهاء الحصار البحري الأمريكي على الموانئ الإيرانية، وفتح مضيق هرمز، كشرط أساسي باعتباره هو الممر الإلزامي لعقد أي مباحثات ناجحة.
وشددت الصين على لسان مبعوثها في الأمم المتحدة على أن استقرار الاقتصاد العالمي وحماية الممرات المائية لا يمكن تحقيقهما في ظل سياسات الحصار التي تشنها واشنطن، مؤكدًا أن الحفاظ على استقرار وسلامة الممرات المائية يصب في مصلحة القوتين العظميين والعالم أجمع، وهو ما سيكون المحور الأساسي للنقاش بين الرئيس ترامب والقيادة الصينية لضمان علاقة مستدامة وسليمة بعيدًا عن حافة الهاوية.
أبعاد إستراتيجية
كشفت الباحثة في الشؤون السياسية الدكتورة تمارا حداد، عن أبعاد إستراتيجية معقدة تحيط بزيارة الرئيس الأمريكي المرتقبة إلى بكين، مشيرة إلى أن الدور الصيني في الأزمة الراهنة يتجاوز حدود "الوساطة" التقليدية ليدخل في سياق "إدارة الأزمات" المتقاطعة بين ملفي إيران وتايوان.
وأوضحت "حداد"، في تحليلها لـ"القاهرة الإخبارية"، أن الصين تتبنى نهجًا برجماتيًا يسعى لتعزيز واقعها الجغرافي وبسط سيطرتها على المناطق الحيوية وفي مقدمتها تايوان، معتبرة أن المحرك الأساسي للنقاش بين واشنطن وبكين سيعتمد على "آلية التوافق" حول القضايا الشائكة، إذ تحاول بكين ترسيخ مكتسبات سياسية إستراتيجية مقابل أي تنازل قد تقدمه بشأن حليفتها طهران، في وقت لا يزال فيه الأفق الدبلوماسي للحل النهائي غائبًا، بانتظار تفاهمات قد لا تتعدى سياق "التهدئة المؤقتة".
وحذَّرت الباحثة من أن طبيعة الصراع الدولي تشهد تحولًا جذريًا، إذ انتقلت من الحرب الإلكترونية التقليدية إلى ما وصفتها بـ"حرب الألياف الضوئية" والذكاء الاصطناعي، وهي تكنولوجيا تمتلك فيها منطقة تايوان ثروة تقنية هائلة، ترفض الولايات المتحدة أن تنفرد الصين بالسيطرة عليها، خاصة في مجالات إنتاج الرقائق الإلكترونية الدقيقة.
وجزمت "حداد" بأن الحرب الحالية في مضيق هرمز ليست موجهة بالدرجة الأولى نحو إيران، بل هي "حرب طاقوية" تستهدف القوة الاقتصادية للصين، إذ ترسل واشنطن رسالة مفادها أن استمرار الحصار البحري سيعني انهيارًا اقتصاديًا لبكين على المدى المتوسط ما لم تقدم تنازلات سياسية.
وفي المقابل، تمتلك بكين أوراق ضغط قوية تشمل التحشيد العسكري قبالة تايوان والتحرك في بحر الصين الجنوبي، بالتوازي مع التنسيق مع الجانب الروسي الذي يسعى بدوره لتحقيق مكتسبات في أوكرانيا عبر الضغط في الملف الإيراني.
وحول طبيعة الدعم الصيني لطهران، كشفت الباحثة السياسية عن أن بكين -رغم عدم اعترافها الرسمي بتقديم دعم عسكري- تمثل الشريان الحيوي لإيران من خلال تبادل المعلومات الاستخباراتية وتوفير غطاء مالي عبر قنوات بنكية "غير معلنة".
كما أشارت إلى أن التقنيات المتطورة والرقائق الدقيقة التي ميزت "المُسيَّرات" وسلاح "الألياف الضوئية" الذي ظهر في المنطقة، تعكس لمسات تقنية صينية عالية الاحترافية، تُستخدم كأدوات ضغط لضمان المصالح الاقتصادية لبكين في منطقة الشرق الأوسط دون الانزلاق إلى مواجهة كبرى ومباشرة مع الغرب.
وتستعد الصين لاستقبال زيارة رسمية مرتقبة للرئيس الأمريكي، بعد أن تم تأجيلها لعدة أسابيع نتيجة التوترات التي شهدها الشرق الأوسط، لا سيما خلال فترة التصعيد في إيران.
وتشير تقارير صحفية أمريكية من المنتظر أن تُجرى الزيارة يومي 14 و15 مايو الجاري، على أن تقتصر على العاصمة بكين، وذلك لأسباب تتعلق بالترتيبات الأمنية وضيق جدول الأعمال.
خطأ إستراتيجي
وأكد عضو البرلمان ورئيس حزب "شين فين" في أيرلندا الشمالية داكليند كيرني، في تصريحات خاصة لـ"القاهرة الإخبارية"، أن الإدارة الأمريكية ارتكبت خطأ إستراتيجيًا بشن حربها ضد إيران، في وقت كان فيه الطرفان منخرطين في مسارات تفاوضية، معتبرًا أن هذه الحرب تسببت في انهيار كامل للثقة الدولية وأوجدت حالة من الترقب المشوب بالحذر.
وشدد في الوقت ذاته على ضرورة انخراط جميع الأطراف في عملية دبلوماسية حقيقية تستند إلى القانون الدولي وتلتزم فيها الولايات المتحدة وإسرائيل بوقف الأعمال العدوانية، مقابل كف إيران عن تهديد جيرانها في المنطقة.
ووصف "كيرني" نتائج هذه الحرب بالكارثية، ليس فقط على المستوى الإقليمي بل وعلى الداخل الأمريكي أيضًا، لافتًا إلى أن الكلفة الحالية للصراع أثقلت كاهل المجتمع الأمريكي وبلغت نحو 5 آلاف دولار لكل أسرة، وهو ما يعكس حجم الضرر الاقتصادي المباشر وغير المباشر للسياسات التصادمية.
وتُعد زيارة ترامب، التي من المنتظر أن يلتقي خلالها بنظيره الصيني، فرصة محتملة لخفض حدة التوتر بين القوتين، خاصة في ظل تصاعد الخلافات منذ عودة ترامب إلى البيت الأبيض مطلع عام 2025.
وكان العام الماضي شهد تصعيدًا تجاريًا بين الطرفين عبر تبادل فرض الرسوم الجمركية، قبل أن يتوصلا إلى تسوية في أكتوبر عقب لقاء جمع شي وترامب في كوريا الجنوبية.
ورقة ضغط
إلى ذلك، كشف خبير الأسواق المالية جاد شكر عن أرقام صادمة تتعلق بالتبعات الاقتصادية للأزمة الراهنة في مضيق هرمز، مؤكدًا أن الحصار البحري الأمريكي، وإن كان يمثل ورقة ضغط قوية، إلا أنه لا يشكل حلًا نهائيًا في ظل الدعم الصيني والروسي المستمر لطهران، حيث تستورد بكين وحدها ما يزيد على 90% من النفط الإيراني، ما يمنح الاقتصاد الإيراني قدرة نسبية على الصمود رغم الحصار.
وأوضح "شكر"، في حوار لـ"القاهرة الإخبارية" من بيروت، أن أزمة مضيق هرمز لم تعد شأنًا إقليميًا مؤقتًا، بل تحولت إلى محرك لأزمة اقتصادية عالمية طالت تداعياتها كل زاوية في العالم.
وأشار إلى أن دول الخليج، ومن بينها السعودية والإمارات والبحرين، وجدت نفسها للمرة الأولى منخرطة في أتون هذه الحرب بطريقة مباشرة، ما أحدث ارتباكًا في معادلات "أوبك بلس" وأسواق الطاقة العالمية.
ارتفاع حاد في الأسعار
وفي السياق ذاته، اعتبر المختص في الشؤون الإيرانية بمستشارية القاهرة محمد خيري، أن الأسواق العالمية تعيش حالة من التخبط جراء الارتفاع الحاد في أسعار النفط والغاز، مبينًا أن الولايات المتحدة نفسها لم تسلم من هذه الآثار، إذ تضطر لاستيراد الخام من المكسيك وكندا ودول الخليج لتعويض نقص كفاية النفط الصخري المحلي، وهو ما يفسر الضغوط الأوروبية والدولية المتزايدة على الإدارة الأمريكية لإبداء مرونة توقف هذه الحرب التي استنزفت الجميع.
وبلغة الأرقام، كشف التقرير أن إيران تخسر يوميًا قرابة 460 مليون دولار بسبب تعطل حركة التصدير والاستيراد، مع وصول معدلات التضخم داخلها إلى مستويات قياسية تجاوزت 50%، تزامنًا مع انهيار حاد في قيمة العملة المحلية.
في المقابل، يواجه الداخل الأمريكي تخبطًا في الأسعار طال قطاعات الذهب والمؤشرات المالية، رغم النتائج الجيدة لشركات التكنولوجيا الكبرى التي وصفها الخبراء بأنها مجرد "غطاء" للواقع المتأزم.
واختتم "شكر" رؤيته التحليلية بالإشارة إلى أن الكلفة التدميرية لهذه الحرب لم تكن متوقعة، إذ طالت أزمة الإمدادات قطاع الغاز أيضًا مع تعطل القدرات التصديرية نتيجة استهداف المنشآت الحيوية، مؤكدًا أن الشعب الأمريكي بات المتضرر المباشر من هذا المسار التصادمي، ما يجعل إنهاء الحرب ضرورة عالمية ملحة، رغم الحسابات المعقدة للقادة التي قد تدفع باتجاهات مغايرة لتطلعات الأسواق والشعوب.