الموقع الرسمي | القاهرة الاخبارية

للاكتفاء ذاتيا.. الصين تعيد رسم حلم خريطة الأمن الغذائي العالمي

  • مشاركة :
post-title
تعبيرية

القاهرة الإخبارية - مازن إسلام

سلّطت صحيفة "فايننشال تايمز" البريطانية الضوء على التحولات العميقة في سياسة الأمن الغذائي الصينية، معتبرة أن بكين تتجه نحو إعادة صياغة موقعها في الاقتصاد الزراعي العالمي، في ظل سعي متزايد لتقليل الاعتماد على الواردات وتعزيز الاكتفاء الذاتي.

وأوضحت الصحيفة أن الغذاء في الصين لا يعد مجرد مسألة استهلاكية، بل يحمل أبعادًا رمزية واقتصادية، إذ يحتل موقعًا مركزيًا في الخطاب العام، في وقت تتجنب فيه وسائل الإعلام المحلية الخوض في قضايا سياسية حساسة. إلا أن هذا البُعد الرمزي يتقاطع مع اعتبارات جيوسياسية، إذ أصبح تأمين الغذاء قضية استراتيجية على مستوى الدولة.

ورغم امتلاك الصين أكبر منظومة إنتاج للحبوب واللحوم في العالم، فإنها باتت تعتمد بشكل متزايد على الاستيراد منذ انضمامها إلى منظمة التجارة العالمية عام 2001. وتشير التقديرات إلى أن بكين تعتمد على الخارج لتأمين نحو ثلث احتياجاتها الغذائية، ما أدى إلى تسجيل عجز تجاري في السلع الزراعية بلغ نحو 124 مليار دولار خلال العام الماضي.

وترى الصحيفة البريطانية أن هذا الاعتماد، رغم مبرراته الاقتصادية المرتبطة بندرة الأراضي الزراعية والمياه، يثير مخاوف استراتيجية لدى صناع القرار في بكين، خاصة في ظل تمتع قوى كبرى مثل الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي بالاكتفاء الذاتي الغذائي.

وفي السياق، بدأت الصين بالفعل اتخاذ خطوات لتقليص هذه الفجوة، من بينها فرض رسوم جمركية على بعض الواردات، ورفع أولوية الأمن الغذائي ضمن خططها التنموية طويلة الأجل.

ولفت التقرير إلى أن هذه التحولات تمثل قطيعة مع الماضي القريب، إذ كانت الصين حتى نهاية القرن العشرين تحقق مستويات عالية من الاكتفاء الذاتي رغم محدودية الموارد. وقد نجحت في تعزيز إنتاجها الزراعي عبر استخدام مكثف للأسمدة وسياسات تسعير داعمة، ما أدى إلى تكوين مخزونات ضخمة من الحبوب.

غير أن التحدي الأكبر، بحسب "فايننشال تايمز"، يتمثل في الاعتماد على استيراد البروتينات والأعلاف الحيوانية، في ظل الارتفاع الكبير في استهلاك اللحوم، الذي تضاعف عدة مرات خلال العقود الماضية. وقد استفادت من هذا التوجه دول مثل الولايات المتحدة والبرازيل، التي أصبحت موردًا رئيسيًا للأعلاف.

وفي ظل هذه المعطيات، تضع القيادة الصينية ملف الأمن الغذائي في صلب أولويات الأمن القومي، إلى جانب الطاقة والقطاع المالي، خاصة بعد الاضطرابات التي شهدتها سلاسل الإمداد العالمية عقب الحرب في أوكرانيا.

وتشير "فايننشال تايمز" إلى أن بكين تستعد لتطبيق نموذج شامل يشبه سياساتها الصناعية في قطاع الغذاء، عبر الاستثمار في الزراعة الذكية والتكنولوجيا الحيوية وتطوير بدائل غذائية مبتكرة، إلى جانب توجيه السوق من خلال معايير إنتاج واستهلاك جديدة.

وتتوقع الصحيفة أن تؤدي هذه السياسات، في حال نجاحها، إلى تحولات جذرية في التجارة الزراعية العالمية، بما في ذلك انخفاض الطلب الصيني على بعض السلع الأساسية مثل فول الصويا، وتحول محتمل للصين إلى مصدر صافٍ لعدد من المنتجات الغذائية بحلول العقود المقبلة.