على مدى سنوات ضغطت حركة الاستيطان الإسرائيلية على الحكومة للتراجع عن قرارها، الصادر عام 2005، بإزالة العديد من المستوطنات من قطاع غزة وشمال الضفة الغربية المحتلة. وفي أبريل الماضي جاءت لحظة الانتصار، عندما أعُيد رسميًا تأسيس مستوطنة "سنور"، آخر المستوطنات الأربع التي أُخليت من الضفة الغربية عام 2005؛ تمهيدًا لإعادة تقنينها.
وبذلك، يكون المستوطنون قد أزالوا أخيرًا جميع آثار الانسحاب من الضفة الغربية. ووصف وزير المالية بتسلئيل سموتريتش تقنين "سنور" بأنه "تصحيح تاريخي"، بينما زعم زعيم المستوطنين يوسي داجان، أن إسرائيل نجحت أخيرًا في "إعادة عقارب الساعة إلى الوراء".
لكن إسرائيل تفعل أكثر بكثير من مجرد إعادة عقارب الساعة إلى الوراء في الضفة الغربية. إنها تخلق واقعًا جديدًا من شأنه -على حد تعبير سموتريتش- أن "يقضي على الدولة الفلسطينية نهائيًا".
وحسب تحليل لمجلة "فورين بوليسي" الأمريكية، تتلخص وسائل إسرائيل المختارة لتحقيق ذلك في ثلاثة محاور، هي: توسيع المستوطنات، إجبار الفلسطينيين في الضفة الغربية على العيش في مساحات جغرافية أصغر، وقبل كل شيء، زيادة الضغط على السلطة الفلسطينية.
يلفت التحليل إلى أن حملة الضغط على السلطة الفلسطينية، التي بدأت قبل 7 أكتوبر 2023، تصاعدت لاحقًا بوتيرة مقلقة، وتدفع الآن الوضع الراهن المتأزم في الضفة الغربية إلى حافة الانهيار، "وإذا تُركت دون رادع، فإنها تُهدد بتقويض الوضع الراهن لما بعد أوسلو إلى الأبد".
يضيف: "كثيرًا ما يُعرب الإسرائيليون الوسطيون عن استيائهم عندما يعتبر المجتمع الدولي تصريحات سموتريتش ذات الطابع المسياني انعكاسًا للسياسة أو الرأي العام. ومع ذلك، عندما يتعلق الأمر بالضفة الغربية، فإن سموتريتش هو من يُملي القرارات بشكل متزايد".
تأجيج العنف
بدأ هذا في أواخر عام 2022، عندما عاد رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو إلى السلطة. في تسجيل مُسرّب في ذلك العام، وصف سموتريتش نتنياهو بأنه "كاذب الكاذبين". لكنه عاد ليدرك قيمة نتنياهو، فبعد أن قطع علاقاته مع الأحزاب الأخرى، أصبح رئيس الوزراء أكثر اعتمادًا على اليمين المتطرف من أي وقت مضى.
وتأكد ذلك عندما منح نتنياهو سموتريتش حقيبة مهمة هي وزارة المالية، وأنشأ له منصبًا جديدًا في وزارة الدفاع يُخوّله الإشراف على التخطيط العمراني والبناء والبنية التحتية في الضفة الغربية المحتلة ناقلًا زمام الأمور في الضفة من يد الجيش الإسرائيلي، الذي كان يُولي تقليديًا أولويةً للهدوء .
تزامن هذا التحول مع اتجاهٍ آخر قائم، وهو تصاعد العنف في الضفة الغربية. ففي أكتوبر 2022، نفذ الجيش الإسرائيلي توغلاتٍ في نابلس -الخاضعة لسيطرة السلطة الفلسطينية- لمواجهة صعود جماعات فلسطينية مسلحة جديدة. إلا أن هذه التوغلات ظلت محدودة المدة.
بعد عودة نتنياهو إلى السلطة، بدأت سياسة الحكومة في تأجيج العنف. ألغت الحكومة الحظر المفروض على دخول الإسرائيليين إلى المناطق التي تم إخلاؤها خلال عملية فك الارتباط عام 2005. وشهد عام 2023 تأسيس عدد من البؤر الاستيطانية يفوق أي عام سابق. ومع ازدياد عدد المستوطنين، ازداد العنف.
لاحقًا، ومع احتدام الحرب في غزة، اتخذت إسرائيل خطواتٍ زادت من حدة العنف وعدم الاستقرار السياسي في الضفة الغربية، كما استمر عنف المستوطنين وجيش الاحتلال الإسرائيلي ضد الفلسطينيين في الضفة الغربية في التصاعد.
وبعد أن كان وجود القوات الإسرائيلية نادرًا في مدن الضفة الغربية، باستثناء الخليل والقدس المحتلة، تغير الوضع. ففي يناير 2025، أطلقت إسرائيل "عملية الجدار الحديدي"، التي منحت جيش الاحتلال تفويضًا واسعًا لدخول الأراضي الخاضعة لسيطرة السلطة الفلسطينية.
بؤر استيطانية
بين عامي 2022 و2025، تضاعفت هجمات المستوطنين على الفلسطينيين. نتيجة لذلك، قُتل أكثر من ألف فلسطيني في الضفة الغربية، معظمهم من المدنيين، على يد الجيش الإسرائيلي أو المستوطنين منذ 7 أكتوبر.
ترافق كل هذا مع تغييرات جذرية على المستوى السياسي. فمنذ بروتوكولات باريس عام 1994، كانت إسرائيل تُحيل الرسوم الجمركية على جميع البضائع المتجهة إلى الضفة الغربية إلى السلطة الفلسطينية. لكن سموتريتش، بصفته وزيرًا للمالية، أنهى هذه السياسة، ما حرم السلطة الفلسطينية فورًا من أكثر من 50% من دخلها السنوي، وقد احتجزت إسرائيل أكثر من 5 مليارات دولار من عائدات الضرائب.
نتيجةً لذلك، قامت السلطة الفلسطينية، وهي أكبر جهة توظيف في الضفة الغربية المحتلة، بحجب جزء من رواتب جميع موظفيها، الذين يتقاضى الكثير منهم أقل من 40% من أجورهم. وفي الوقت نفسه، تضاعفت نسبة البطالة في الضفة الغربية أكثر من مرتين منذ 7 أكتوبر، مع تشديد إسرائيل قبضتها على الفلسطينيين الذين يعبرون الحدود بحثًا عن العمل.
أيضًا، تمارس إسرائيل عمليات تهجير جماعي ممنهجة للسكان. ووفقًا لمنظمة "بتسيلم" الإسرائيلية لحقوق الإنسان، فقد أُخليت 59 منطقة فلسطينية بالكامل من سكانها بعد 7 أكتوبر، بينما شهدت 16 منطقة أخرى عمليات تهجير جزئية هذه العمليات ليست عشوائية، إذ تقع الغالبية العظمى منها في المنطقة (ج)، وهي الجزء من الضفة الغربية الذي تمارس عليه إسرائيل سيطرة سياسية وعسكرية كاملة، حيث يقطن معظم المستوطنين.
علاوة على ذلك، شهد عام 2025 أول عام على الإطلاق هدمت فيه السلطات الإسرائيلية منازل فلسطينية في المنطقة (ج) أكثر مما بناه الفلسطينيون. ووفق التحليل، يشير هذا إلى أن الحكومة الإسرائيلية وحركة الاستيطان تعملان معًا على تفريغ المنطقة (ج) من سكانها وتشريد الفلسطينيين إلى المنطقتين (أ) و(ب)، حيث تمارس السلطة الفلسطينية سيطرة أكبر.
في الوقت الذي تعرقل فيه إسرائيل البناء الفلسطيني، فإنها تُعطي الضوء الأخضر لبناء المزيد من المستوطنات. فبين 7 أكتوبر ومنتصف مارس، أنشأ المستوطنون 152 بؤرة استيطانية جديدة في أنحاء الضفة الغربية. وبدورها، قامت الحكومة الإسرائيلية بإضفاء الشرعية بأثر رجعي على العديد من البؤر الاستيطانية، ما يعني إمكانية ربطها بشبكات الطرق والكهرباء والمياه.
أيضًا، بمجرد إنشائها، تحتاج المستوطنات الجديدة إلى الحماية. ونتيجة لذلك، أنشأ الجيش الإسرائيلي 220 نقطة تفتيش جديدة منذ 7 أكتوبر. ويأتي هذا كله على حساب الفلسطينيين، إذ يُطيل رحلاتهم، ويُعيق تنمية أعمالهم، ويُصعّب حصولهم على السلع والضروريات. ويتفاقم هذا الوضع بقيام الجيش الإسرائيلي بطرد ما يصل إلى 40 ألف فلسطيني من مخيمات اللاجئين.