لم يكن إطلاق مهمة "أرتميس 2" إلى الفضاء مجرد مهمة عابرة، بل كان استعراضًا للقوة الأمريكية في أبعد نقطة وصل إليها البشر. ومع ذلك، لم ينجح الاحتفال في التغطية على القلق المتزايد داخل أروقة وكالة الفضاء الأمريكية "ناسا"؛ فالحقيقة المزعجة اليوم هي أن بكين لم تعد تطارد واشنطن، بل ربما بدأت في قيادة السباق.
ففي الوقت الذي كانت فيه المنصات الأمريكية تستعرض "المركبة المأهولة"، كانت بكين أحكمت قبضتها على تكنولوجيات فضاء حيوية، مما يجعل مهمة "أرتميس 2" مجرد محاولة أمريكية للحاق بقطار صيني انطلق بالفعل وبسرعة لا يمكن تجاهله.
سباق صيني أمريكي
وتوغلت مركبة "أرتميس 2" الأمريكية في الفضاء أبعد من أي مركبة مأهولة سابقة، في إنجاز جديد بعد أن رأت عيون البشر الجانب البعيد من القمر لأول مرة منذ أكثر من 50 عامًا، لتبدو أن الولايات المتحدة حققت تقدمًا مبكرًا في السباق القمري الجديد مع الصين.
ويقول ستيفن بونو، أستاذ العلوم الإنسانية والتكنولوجيا في كلية هاميلتون، في مقال عبر صحيفة "وول ستريت جورنال" الأمريكية، إنه رغم كل مظاهر الاحتفال بتقدم واشنطن الفضائي عبر إطلاق مركبة أرتميس 2، إلا أن المشروع أخفى حقيقة مزعجة، وهي أن واشنطن لا تزال متأخرة عن بكين.
وأوضح "بونو" أن إنجازات "أرتميس 2" تعددت في نواحٍ عديدة، بعد أن أثبتت مهمتها كفاءة أنظمة دعم الحياة في مركبة أوريون الفضائية، وقوة صاروخها الفضائي، وإجراء أول اختبار اتصالات بصرية مأهولة في الفضاء السحيق، إلا أن هذه الإنجازات أخفت مشاكل خطيرة.
وأضاف أن وكالة ناسا كانت تعتزم إطلاق مهمة أرتميس 2 في عام 2023، لكن مشاكل تقنية أدت إلى تأجيل المهمة مرارًا وتكرارًا، منها تسربات الهيدروجين، وأعطال في تدفق الهيليوم، وتآكل غير متوقع للدرع الحراري.
وبسبب التأخيرات المتكررة وإجهاد المحاور، خفضت ناسا مستوى رحلة أرتميس التالية من هبوط مأهول على سطح القمر إلى اختبار التحام في مدار أرضي في عام 2027، ما يشير إلى أن رواد الفضاء الأمريكيين لن يمشوا على سطح القمر قبل عام 2028 على أقرب تقدير.
مسيرة الصين الفضائية
وشدد أستاذ العلوم الإنسانية والتكنولوجيا في كلية هاميلتون على أن الصين تواصل مسيرتها الفضائية بنجاح، مشيرًا إلى أنه في فبراير نجحت وكالة الفضاء الصينية في اختبار لإجهاض الإطلاق أثناء الطيران من جزيرة هاينان في بداية الصعود، إذ قام مراقبو المهمة بتفعيل نظام الهروب عمدًا، والذي سحب كبسولة منجتشو غير المأهولة بعيدًا عن الصاروخ.
وهبطت الكبسولة بالمظلة بسلام في البحر، بينما واصل الصاروخ رحلته، وبعد العودة إلى الغلاف الجوي، أعاد الصاروخ تشغيل محركاته ونفذ هبوطًا متحكمًا فيه في المحيط، وهي قدرة لا يمتلكها صاروخ ناسا القمري.
وتتصدر بكين أيضًا مجال تكنولوجيا الهبوط، ففي العام الماضي عرضت مركبة الهبوط المأهولة "لانيو"، التي نفذت هبوطًا على سطح القمر باستخدام الدفع، إضافة إلى إطلاقها في بيئة تحاكي جاذبية القمر، بحسب "وول ستريت جورنال".
وأثبت الاختبار صحة تصميم المركبة، وإجراءات إيقاف تشغيلها، وتوافق الأنظمة الفرعية، الأمر الذي عزز مصداقية مهمة الصين المعلنة بإنزال البشر على سطح القمر قبل عام 2030.
ورغم أن برنامج بكين الفضائي لرحلة عبر القمر قد واجه بعض الإخفاقات، إلا أن برنامجها القمري يحقق قفزات نوعية في التقنيات المهمة.
البنية التحتية الصينية
وأنشأت الصين البنية التحتية الروبوتية اللازمة لقاعدة قمرية دائمة، والتي تشمل أجهزة استشعار، وعربات نقل، وأقمارًا صناعية للترحيل، ومن المتوقع أن تستكشف مهمة "تشانغ إي-7" الصينية القطب الجنوبي للقمر في وقت لاحق من هذا العام، وهو نفس الأمر المتوقع أن تقوم به ناسا للهبوط على سطح القمر.
وتتضمن حزمة المهمة الصينية مركبة استطلاع صاروخية قادرة على الوصول إلى تضاريس يصعب على المركبات الجوالة الوصول إليها، ومهمتها البحث عن الماء المتجمد.
من يهبط أولًا؟
وحسب بونو، فإن أي دولة تهبط على سطح القمر أولًا في هذا القرن ستتمكن من القيام بأشياء كثيرة أكثر من مجرد غرس العلم، إذ ستختار مواقع بناء البنية التحتية، وأماكن استخراج التربة القمرية واستخراج الماء المتجمد الذي سيصبح وقودًا للصواريخ بعد فصله إلى هيدروجين وأكسجين.
ورأى أنه يجب على واشنطن التوقف عن الاستعراضات للحفاظ على ريادتها، والبدء في بناء بنية تحتية مستدامة، مشيرًا إلى أن الولايات المتحدة أثبتت أنها لا تزال قادرة على الوصول إلى القمر، لكن السؤال الآن هو: هل يمكنها البقاء هناك؟
وأوضح أن الإجابة على هذا السؤال تتطلب تحولًا في الأولويات، من التركيز على الجداول الزمنية إلى سعة الشحن، ومن المهمات الفردية إلى البنية التحتية المستدامة، وينبغي أن تحظى أنظمة الطاقة، ومحطات الاتصالات، واستخراج الموارد بالأولوية على المهمات المأهولة.
وشدد على أن الحكومة الأمريكية تحتاج إلى تعزيز دعم مشروع القمر لدى الجمهور، مشيرًا إلى أن بعثات أرتميس لن تحقق قيمة إذا اعتبر الناخبون القمر إنجازًا عفا عليه الزمن، إضافة إلى أن السباق الحالي يمثل منافسة على الحوكمة والوصول إلى الموارد الحيوية وبناء بنية تحتية تحدد النشاط الاقتصادي والعسكري في الفضاء.
وأشار إلى تحذير مدير وكالة ناسا جاريد إسحاقمان خلال جلسة استماع تثبيته العام الماضي، الذي قال فيه: "ليس هذا وقت التأخير، بل وقت العمل، لأنه إذا تخلفنا عن الركب، وإذا ارتكبنا خطأً، فقد لا نتمكن من اللحاق بالركب أبدًا".
واختتم أستاذ العلوم الإنسانية والتكنولوجيا في كلية هاميلتون بقوله: "إنه على الرغم من نجاح أرتميس، إلا أن هناك خطرًا من أن مخاوفه قد بدأت تتحقق بالفعل".