في الوقت الذي تُوقف فيه شركات الطيران رحلاتها، ويحث المسؤولون الغربيون المواطنين على تقليص تنقلاتهم، تواجه جهود أوروبا لمنع النقص الناجم عن الحرب الإيرانية عقبة غير متوقعة، في ظل التدافع وتصاعد فاتورة الوقود الأحفوري نتيجة الحرب، وقطع الإمدادات المتدفقة عبر مضيق هرمز، وهي أن لا أحد يعرف كمية الوقود التي تمتلكها القارة بالفعل.
ويوم الأربعاء، قالت رئيسة المفوضية الأوروبية، أورسولا فون دير لاين، إن الصراع يكلف الاتحاد الأوروبي نحو 500 مليون يورو يوميًا بسبب ارتفاع تكاليف الطاقة، في حين أمر الرئيس الأمريكي دونالد ترامب مساعديه بالاستعداد لحصار مطول لإيران، قد يزيد من اضطراب أسواق الطاقة العالمية.
وبالطبع، لا تجهل سلطات الاتحاد الأوروبي الأمر تمامًا؛ فالمعلومات المتعلقة باحتياطيات النفط والغاز التي تحتفظ بها الحكومات تتسم عمومًا بالشفافية والتحديث، في حين يعقد المسؤولون اجتماعات منتظمة لتبادل المعلومات، وتقوم الشركات أحيانًا بتقديم معلومات طوعية حول مخزوناتها الخاصة.
لكن، بالإضافة إلى ذلك، فإن المسؤولين الذين يرغبون في معرفة متى قد تنضب الإمدادات، ليس لديهم سوى القليل من المعلومات، "وهي نقطة عمياء قد تجعلهم غير قادرين على تحديد النقص أو مضطرين إلى اتخاذ قرارات طارئة بناءً على معلومات جزئية"، وفق ما ذكرت النسخة الأوروبية لصحيفة "بوليتيكو".
بلا معلومات
خلال قمة رفيعة المستوى عُقدت الشهر الماضي، لفت وزراء من بلجيكا وهولندا وإسبانيا الانتباه إلى هذه الثغرات، وحثوا الاتحاد الأوروبي على تنسيق المزيد من عمليات الرصد والتحليل الفوري، لا سيما فيما يتعلق بالمنتجات المكررة.
وأشار التقرير إلى أن مندوب اليونان ذهب إلى حد مطالبة المفوضية بإنشاء قناة اتصال عبر "واتساب" أو "سيجنال" بين الدول الأعضاء والجهاز التنفيذي للاتحاد الأوروبي.
ونُقل عن مسؤول رفيع المستوى في وزارة الطاقة الأوروبية قوله: "لدينا معرفة وبيانات محدودة للغاية بشأن سوق الغاز والنفط. إن معرفتنا بما يُطرح في السوق، وما يُسحب، وما يُرسل عبر مسارات مختلفة، تُشير بوضوح إلى وجود نقص في مراقبة السوق".
أما فيما يتعلق بالوقود المكرر، كالديزل ووقود الطائرات، فالوضع غامض للغاية. يعتمد الاتحاد الأوروبي بشكل أساسي على هيئة الإحصاء الرسمية(Eurostat) واجتماعات التنسيق مع الدول الأعضاء لتقييم مستويات العرض.
لكن، وفق "بوليتيكو"، فإن معظم المخزونات تبقى بعيدة عن الأنظار في جرد تجاري متناثر يشمل قطاعات متنوعة، حيث تتردد الشركات في الكشف عن بيانات تجارية حساسة غير ملزمة قانونًا بالإبلاغ عنها. وحتى البيانات التي قدمتها وكالة الطاقة الدولية -التي نسقت عملية الإفراج عن 400 مليون برميل من النفط الشهر الماضي- محدودة بالضرورة لهذا السبب، وفقًا لما ذكره مسؤول في المفوضية.
وأضاف المسؤول: "في عالم مثالي، كنا سنحصل على معلومات كاملة، ولكن في النهاية لا قيمة للمعلومات إلا بقدر جودة المعلومات التي تُقدم لنا. وقد سمعت زملاءً يُبدون نفس القلق، فنحن نأمل أن تكون لدينا المعلومات الصحيحة".
قياس الإمدادات
منذ بداية الحرب، دعا وزراء الطاقة المفوضية الأوروبية، وهي الذراع التنفيذية للاتحاد الأوروبي، إلى تعزيز قدرة التكتل على قياس الإمدادات الموجودة في جميع أنحاء القارة في المنشآت تحت الأرض، وصفوف الخزانات في الموانئ الرئيسية، وناقلات النفط العملاقة التي تطفو قبالة السواحل الأوروبية، والمستودعات في المطارات، وعلى طول خطوط الأنابيب الرئيسية.
وقد أقرت المفوضية نفسها بنقص المعلومات، وكشفت في وقت سابق من هذا الشهر عن خطط لإنشاء "مرصد للوقود" من شأنه "تتبع إنتاج الاتحاد الأوروبي ووارداته وصادراته ومستويات مخزونه من وقود النقل"، وهو أمر لا يختلف كثيرًا عن إدارة معلومات الطاقة الأمريكية الأكثر شمولًا.
ووفقًا للتقرير، يُعد الغاز أسهل السلع تتبعًا، وإن لم يكن ذلك بشكل كامل. فالقواعد المفروضة بعد النقص الناجم عن الحرب الروسية الأوكرانية تُلزم دول الاتحاد الأوروبي بملء مخزوناتها بنسبة 90% من طاقتها الاستيعابية الوطنية بحلول فصل الشتاء من كل عام، ما يعني أن الاتحاد الأوروبي بات أكثر دراية بكمية الغاز الطبيعي المتوفرة لديه في أي لحظة، حتى وإن ظلّت لديه معلومات محدودة حول تدفقات الغاز الداخلة والخارجة والتجارة عبر الحدود.
ورغم أن مكتب الإحصاء الأوروبي يراقب أسعار المنتجات البترولية في جميع أنحاء القارة، فإنه لا يُحدّث بياناته إلا نادرًا وبشكل متقطع، وآخر مجموعة بيانات شاملة نسبيًا لديه تعود إلى شهر يناير.
في ذلك الوقت، كانت معظم دول الاتحاد الأوروبي -باستثناء لاتفيا وأيرلندا وقبرص- تستوفي متطلبات التكتل بالاحتفاظ بمخزونات من النفط ومشتقاته تكفي لمدة 90 يومًا على الأقل، وفقًا لبيانات شركة "جالر-ماكاريفيتش". وكانت هذه الاحتياطيات تتألف في معظمها من النفط الخام والديزل والمواد الأولية، مع كميات محدودة من البنزين ووقود الطائرات.
وكانت مخزونات الغاز الأوروبية منخفضة بالفعل قبل الهجوم على إيران، حيث بلغ متوسطها أقل من 30% من طاقتها الاستيعابية الوطنية، وذلك نتيجة انخفاض حاد في المخزونات خلال فصل الشتاء.
ويُفصّل أحدث تقرير لوكالة الطاقة الدولية انخفاض المخزونات الأوروبية في فبراير مقارنة بالعام السابق، إلا أنه يتضمن بيانات محدودة لشهر مارس. وأفادت التقارير بأن وزارات الطاقة أطلعت سلطات الاتحاد الأوروبي على مخزوناتها الأسبوع الماضي.