شهدت أوروبا، خلال العقود الثلاثة الماضية، تحولات عميقة في طبيعة الحضور الإسلامي داخل مجتمعاتها، تزامنًا مع تزايد أعداد المهاجرين وتبلور أجيال جديدة من المسلمين الأوروبيين. وفي هذا السياق، برزت شبكات الإسلام السياسي، وعلى رأسها جماعة الإخوان المسلمين، كفاعل غير تقليدي يسعى إلى إعادة تشكيل العلاقة بين الدين والمجتمع داخل الفضاء الأوروبي. ولم يكن هذا الحضور مجرد امتداد جغرافي للتنظيم، بل اتخذ طابعًا مركبًا يقوم على التكيف مع البيئة القانونية والسياسية والثقافية في أوروبا، بما يسمح له بالعمل داخلها دون صدام مباشر.
وقد مثّل الشباب محورًا أساسيًا في هذه الإستراتيجية؛ نظرًا لما يتمتعون به من قابلية للتأثر، وقدرة على التفاعل مع التحولات الاجتماعية والثقافية. فالشباب المسلم في أوروبا، خاصة أبناء الجيلين الثاني والثالث، يعيش حالة مركبة من التوتر بين الانتماء الديني والاندماج المجتمعي، وهو ما يخلق مساحة يمكن استثمارها في إعادة توجيه الهوية والانتماء. ومن هنا، تطورت آليات التجنيد لتصبح أكثر مرونة وتعقيدًا، بحيث لم تعد تقوم على الاستقطاب المباشر، بل على بناء بيئة اجتماعية وثقافية حاضنة تُنتج الانتماء بشكل تدريجي للشباب في الفضاء الأوروبي.
تأسيسًا على ما سبق، تسعى هذه الورقة البحثية للتعرف على آليات تجنيد الإخوان المسلمين للشباب في أوروبا.
آليات متعددة
يرتكز تجنيد الشباب لدى جماعة الإخوان المسلمين في أوروبا على مجموعة من الأدوات المتداخلة، تتمثل في:
(*) إعادة التمركُز داخل الفضاءات الدينية والاجتماعية: تقوم هذه الإستراتيجية على فكرة إنشاء شبكة واسعة من المساجد والمراكز الثقافية والجمعيات الخدمية، التي تعمل كفضاءات مفتوحة لاستقبال الشباب، ولا يقتصر دور هذه المؤسسات على تقديم الخدمات الدينية، بل يمتد إلى توفير الدعم الاجتماعي والتعليمي، وتنظيم الأنشطة الثقافية والرياضية، وهو ما يجعلها نقطة جذب رئيسية لفئات واسعة من الشباب، وتكمن أهمية هذه المؤسسات في أنها تخلق حالة من التفاعل المستمر الذي يسمح ببناء علاقات ثقة طويلة الأمد، تُعَد شرطًا أساسيًا لأي عملية تأثير فكري لاحقة.
بجانب ذلك، تواصل تقارير مكتب حماية الدستور الألماني (مثل تقرير 2022 و2023) الإشارة إلى نشاط جماعات مرتبطة بفكر جماعة الإخوان المسلمين، مع التركيز على استهداف الشباب داخل المساجد والمنظمات المجتمعية، واعتبار ذلك جزءًا من إستراتيجية طويلة المدى للتأثير، بما يدعم فكرة التدرج والتغلغل المؤسسي.
ففي 21 مايو 2025، صدر تقرير رسمي بطلب من الحكومة الفرنسية حول نشاط جماعة الإخوان المسلمين، وُصِف في بعض التقديرات بأنه من أبرز التقارير الحديثة، حيث أشار إلى أن نفوذ الجماعة في فرنسا وأوروبا يتم عبر شبكات مؤسساتية قريبة من المجتمع المدني، وتعمل كـوسطاء دائمين داخل البيئة الأوروبية، بما يعكس اعتمادًا متصاعدًا على أدوات غير مباشرة في استقطاب الشباب وبناء الارتباط طويل المدى.
(*) بناء الوعي الهوياتي كمدخل للاستقطاب: يتم التركيز على إبراز الخصوصية الإسلامية في مواجهة ما يُطرح باعتباره تحديات ثقافية أو مجتمعية داخل أوروبا، ويعمل هذا الخطاب الديني على إعادة تعريف موقع الفرد داخل المجتمع من خلال تعزيز الشعور بالاختلاف، وفي الوقت نفسه تقديم إطار جماعي يوفر الحماية والانتماء. ولا يتم طرح هذا الخطاب بشكل صدامي في البداية، بل يُقدَّم في صورة معتدلة تركز على القيم العامة، قبل أن يتدرج نحو مضامين أكثر ارتباطًا بالرؤية التنظيمية.
(*) إنتاج دوائر شبابية منظمة داخل البيئة التعليمية: لتلك الدوائر دور محوري في عملية التجنيد، إذ يتم استهداف الشباب داخل المؤسسات التعليمية من خلال تنظيم فعاليات وورش عمل وبرامج تدريبية، تهدف إلى تنمية المهارات القيادية وتعزيز الوعي بالهوية، وتُعَد كيانات مثل منتدى المنظمات الطلابية والشبابية المسلمة في أوروبا (FEMYSO)، نموذجًا لهذه الأُطر التي توفر بيئة تفاعلية يتم من خلالها بناء علاقات أفقية بين الشباب، وتبادُل الأفكار، وتكوين شبكات اجتماعية متماسكة، وتكمن خطورة هذه الآلية في أنها لا تفرض الانتماء، بل تجعله نتيجة طبيعية للتفاعل داخل المجموعة.
فنجد عام 2021، أن تمويل الاتحاد الأوروبي لمنظمة منتدى المنظمات الطلابية والشبابية المسلمة في أوروبا (FEMYSO)، قد أثار جدلًا داخل البرلمان الأوروبي، حيث طالب بعض النواب بمراجعة التمويل؛ على خلفية اتهامات بوجود صلات غير مباشرة بشبكات قريبة من جماعة الإخوان المسلمين، وهو توظيف لدور المنظمات الشبابية في استقطاب وتكوين كوادر.
كما برزت المنصات الرقمية ووسائل التواصل الاجتماعي كأداة موازية في عملية الاستقطاب، إذ تتيح الوصول إلى شرائح أوسع من الشباب خارج الأُطر التقليدية، وتُستخدم في نشر الخطاب الهوياتي وبناء دوائر تواصل افتراضية تمهد للاندماج الواقعي.
(*) الاعتماد الكبير على العلاقات الشخصية وشبكات الثقة: يتم استقطاب الأفراد عبر دوائرهم الاجتماعية القريبة، مثل الأصدقاء أو أفراد العائلة أو الزملاء، ويمنح هذا الأسلوب العملية طابعًا غير رسمي، يجعلها أقل عرضة للرصد وأكثر قدرة على التأثير؛ نظرًا لاعتمادها على الثقة المباشرة، وغالبًا ما يكون الفرد أكثر استعدادًا لتقبل الأفكار عندما تأتي من شخص يعرفه ويثق به مقارنة بالمصادر الخارجية.
(*) المسار التراكُمي للاندماج داخل البنية التنظيمية: تُعَد هذه الآلية من أهم آليات التجنيد المُستخدَمَة؛ لكونها من السمات الأساسية لهذا النموذج. إذ لا يتم الانتقال إلى الانخراط الكامل بشكل مفاجئ، بل يمر الفرد بمراحل متتابعة تبدأ بالمشاركة في الأنشطة العامة، ثم التفاعل الفكري، ثم الالتزام التدريجي، وصولًا إلى الاندماج التنظيمي. ويضمن هذا التدرج بناء ولاء مستقر، ويقلل من احتمالات الانسحاب، كما يعكس طبيعة التنظيم الذي يقوم على الانتقاء والتصفية بدلًا من الانضمام المفتوح.
خصائص مُحددة
يتسم نموذج التجنيد في أوروبا بعدد من الخصائص التي تميزه، منها:
(*) النهج غير المباشر في توسيع قاعدة الانضمام: لا يتم تقديم التنظيم ككيان يسعى إلى استقطاب الأعضاء بشكل صريح، بل يتم بناء الارتباط به من خلال أنشطة تبدو في ظاهرها اجتماعية أو ثقافية. ويسمح هذا الأسلوب بتقليل الحساسية تجاه النشاط التنظيمي، ويجعل من الصعب التمييز بين العمل المجتمعي والعمل الأيديولوجي، وهو ما يمنح التنظيم مساحة أوسع للحركة داخل المجتمعات الأوروبية.
(*) الارتكاز على الهياكل المؤسسية في إدارة النفوذ: يتم إنشاء جمعيات ومنظمات تعمل في إطار قانوني، ما يوفر غطاءً رسميًا للنشاط ويسمح بالوصول إلى شرائح واسعة من الشباب. وفي هذا السياق، تلعب الأُطر المرتبطة بـاتحاد المنظمات الإسلامية في أوروبا، دورًا مهمًا في تنسيق هذه الأنشطة على مستوى عابر للدول، بما يعزز من قدرة الشبكة على الانتشار والتأثير.
(*) إعادة تشكيل الخطاب وفق الخصوصية الأوروبية: يتم تبني خطاب يتماشى مع مفاهيم، مثل الديمقراطية وحقوق الإنسان، مع إعادة توظيف هذه المفاهيم بما يخدم أهداف التنظيم. ويعكس هذا التكيُّف درجة عالية من البرجماتية، التي تسمح بالحفاظ على الوجود داخل المجال العام دون الدخول في مواجهات مباشرة. وعلى الرغم من تشابه الأدوات المستخدمة، فإن طبيعة النشاط تختلف من دولة لأخرى تبعًا للإطار القانوني والسياسي، حيث يميل إلى الطابع المؤسسي في دول مثل فرنسا وألمانيا، بينما يتخذ أشكالًا أكثر مرونة داخل البيئات التي تتمتع بهامش أوسع من العمل المجتمعي.
(*) استثمار أزمة الهوية لدى الشباب: يتم تقديم التنظيم كإطار يوفر الانتماء والاستقرار النفسي في مواجهة مشاعر الاغتراب أو التهميش، ويُعَد هذا البُعد من أكثر العوامل تأثيرًا؛ لأنه يخاطب احتياجات عميقة تتجاوز الجانب الفكري وتمس البعد النفسي والاجتماعي للفرد.
(*) تكامُل الوظائف الدعوية والسياسية في النشاط: لا يقتصر نشاط الجماعة على المجال الديني، بل يمتد إلى العمل الحقوقي والمجتمعي، بما يسمح بتوسيع دائرة التأثير داخل المجتمع الأوروبي. ويسهم هذا الدمج في تعزيز حضور التنظيم في المجال العام، وإضفاء طابع شرعي على نشاطه من خلال الارتباط بقضايا عامة مثل الحقوق والحريات. ففي عام 2015، نشرت الحكومة في المملكة المتحدة مراجعة رسمية حول نشاط الإخوان، خلُصت إلى أن بعض أنشطتهم في المجتمع المدني قد تثير مخاوف تتعلق بالتطرف غير العنيف، خاصةً فيما يتعلق بالتأثير الفكري على الشباب.
ختامًا، يتضح أن تجنيد الشباب في أوروبا من قبل جماعة الإخوان المسلمين، يقوم على نموذج تراكمي يجمع بين الأدوات المؤسسية والتأثير الثقافي والتدرج في بناء الانتماء، بما يجعله أكثر تعقيدًا من أساليب الاستقطاب المباشر. ولا يستهدف هذا النموذج تحقيق نتائج آنية، بقدر ما يسعى إلى ترسيخ حضور طويل المدى داخل المجتمعات الأوروبية عبر إعادة تشكيل الوعي والهوية لدى فئة الشباب. وتتعامل الدول الأوروبية رسميًا مع ظاهرة تجنيد الإخوان المسلمين للشباب في أوروبا، ففي نوفمبر 2021، أعلنت الحكومة في النمسا حظر عدد من المنظمات المرتبطة بالإخوان؛ ضِمن إجراءات مكافحة الإسلام السياسي، مشيرة إلى نشاطها داخل المجتمع وتأثيرها على الشباب. كما تعكس التطورات الحديثة في عام 2025 تحولًا متزايدًا في إدراك الدول الأوروبية لطبيعة هذا النشاط، بما يعزز من أهمية دراسته في إطار أوسع يتجاوز المقاربات التقليدية، ويشير إلى تحول التجنيد من كونه عملية تنظيمية مباشرة إلى كونه عملية إعادة تشكيل اجتماعي وثقافي ممتدة عبر الزمن.