الموقع الرسمي | القاهرة الاخبارية

ماكينة لليمين المتشدد.. ترامب يعيد تشكيل النظام الإعلامي الأمريكي

  • مشاركة :
post-title
الرئيس الأمريكي دونالد ترامب على شاشة غرفة الأخبار في "فوكس نيوز"

القاهرة الإخبارية - أحمد صوان

في عام 2016، أعلن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب الحرب على الصحافة، ومنع الصحفيين من حضور التجمعات، وسخر منهم من على منصات التواصل الاجتماعي، وشاع عبارة "الأخبار الكاذبة".

أمضى ترامب، المطور العقاري النيويوركي، والذي لطالما كان مهووسًا بتغطيات وسائل الإعلام، جزءًا كبيرًا من حياته المهنية في بناء علاقات مع الصحفيين ومواجهة بعضهم، وصرّح ذات مرة بأن أعماله التجارية ما هي إلا "ديكورات للعرض"، لأن "العرض هو ترامب".

في غضون عقد واحد فقط، استقطب ترامب وسائل الإعلام الأمريكية، وهيمن عليها، وشاهد كيف تتغير من حوله، والآن وبصفته رئيسًا للولايات المتحدة يبدو أنه أتقن فنّ الاستعراض، ​​​​كما يمتلك سلاحًا آخر، وهو المليارديرات المتعاطفون معه الذين صاروا أصحاب كبرى المؤسسات الإخبارية.

وكما تشير صحيفة "فايننشال تايمز"، تحوّل أباطرة التكنولوجيا من حظر ترامب إلى التغاضي عنه، بينما تهيمن قناته المفضلة "فوكس نيوز" على الشاشات الأمريكية.

في الوقت نفسه، تجاوز ترامب مجرد الخطابات، فرفع دعاوى قضائية ضد مجموعات إعلامية، اختار العديد منها التسوية بدلاً من خوض دعاوى قضائية، وتحولت لجنة الاتصالات الفيدرالية (FCC) التابعة له بحكم منصبه إلى أداة هجومية، تُهدد علنًا محطات البث وتُعلن "الانتصار" عندما تنتقل ملكيتها إلى أيدي مانحي ترامب.

فوكس نيوز والإعلام البديل

مع دخول الولايات المتحدة حربها مع إيران، اتهم ترامب وحلفاؤه الصحفيين بـ"الخيانة"كل من هو ضدهم، وهددوهم بالسجن، واستشهدوا بالكتاب المقدس، مصورين الصحفيين على أنهم شخصيات العهد الجديد الذين عارضوا رسالة السيد المسيح.

انقسمت التسلسلات الهرمية القديمة للصحف ومحطات البث إلى مشهد متقلب من الشبكات الحزبية والمؤثرين والمتبرعين الكبار والشخصيات البارزة والمنصات الأحدث، وكلها تتنافس لتشكيل كيفية تفسير الأمريكيين للسياسة والمعلومات.

وبرر متحدث باسم البيت الأبيض تراجع الثقة في وسائل الإعلام لأنها "تروج باستمرار وبغطرسة لروايات كاذبة ومضللة"، وأضاف أن "سياسات إدارة ترامب تسترشد بمصلحة الشعب الأمريكي"، كما نقلت الصحيفة البريطانية.

يشير التقرير إلى أن قناة ترامب المُفضَّلة "فوكس نيوز" -التي بالنسبة للعديد من الأمريكيين المحافظين، ولا سيما كبار السن، تُعدّ جزءًا لا يتجزأ من الحياة اليومية، والمصدر الرئيسي للأخبار في المنازل- تكشف خياراتها فيما يتعلق بما يتم التركيز عليه وما يتم تجاهله.

ولفت إلى أنه "عندما ظهرت رسائل بريد إلكتروني في نوفمبر الماضي تربط ترامب بجيفري إبستين، وهي قصة هيمنت على معظم وسائل الإعلام العالمية، لم تذكرها القناة على الهواء لمدة ثلاث ساعات تقريبًا. وعندما طُرح الموضوع، كان ذلك بشكل عابر".

أما ترامب، فيتعامل مع "فوكس نيوز" كمصدر للمعلومات وقناة يستوعب من خلالها الأحداث ويتفاعل معها. ففي ولايته الأولى، قام بتركيب جهاز تلفزيون في غرفة الطعام المجاورة للمكتب البيضاوي، وكان يقضي ساعات في مشاهدة الأخبار، وغالبًا ما كان يتفاعل معها مباشرةً عبر الإنترنت.

وبعد أن هاجم أنصار ترامب مبنى الكابيتول في 6 يناير 2021، تراجعت العلاقة لفترة من الوقت فقد ظهر بشكل أقل، قبل أن تتضح شعبيته الدائمة لدى القاعدة الجمهورية. وبمرور الوقت أصبحت "فوكس نيوز" ركيزة أساسية لنظام إعلامي يميني أوسع.

أيضًا، يضرب تقرير "فايننشال تايمز" العديد من الأمثلة لأبرز مؤيدي ترامب خارج شبكات الإعلام التقليدية، ويلفت إلى أنه "طوال معظم القرن العشرين، كانت الاتصالات السياسية في الولايات المتحدة تمر عبر جهات مهيمنة: الصحف الوطنية، وشبكات التلفزيون، والمجلات المؤثرة". وفي أعقاب فضيحة "ووترجيت"، قال أكثر من 70% من الأمريكيين إنهم يثقون بوسائل الإعلام، لكن هذا النظام انهار الآن، وانخفضت الثقة في وسائل الإعلام إلى أقل من 30%.

وفي هذا المشهد الجديد، تتنافس التقارير التقليدية مع مجموعة متنامية بسرعة من الشخصيات والبودكاست والبث المباشر التي تعمل خارج نطاق معايير الصحافة.

وبينما تكافح وسائل الإعلام الرئيسية مع ضباب الحرب، يبدو أن رسالة الإدارة وصلت إلى جمهورها المستهدف، فقد أظهرت استطلاعات الرأي هذا العام تأييدًا قويًا للحرب بين قاعدة ترامب الشعبية، حتى في ظل ارتفاع التكاليف والمعارضة في أماكن أخرى.

وأظهر استطلاع رأي أجرته مؤسسة "بيو" في مارس أن 69% من الجمهوريين والمستقلين ذوي الميول الجمهورية يوافقون على طريقة تعامل الرئيس مع الصراع.

كما وجد تقرير صادر عن معهد أنواع الديمقراطيات أن الولايات المتحدة تشهد أشد تراجع للديمقراطية في تاريخها، مشيرًا إلى الضغط على وسائل الإعلام كعامل رئيسي.

الدعاية

في عام 2018، وصف ستيف بانون، الإستراتيجي السابق في البيت الأبيض، نهج إدارة ترامب في التعامل مع الصحفيين بأن "الديمقراطيين لا يهمون. المعارضة الحقيقية هي وسائل الإعلام. والطريقة الأمثل للتعامل معهم هي إغراق الساحة بالهراء".

لم تكن الإستراتيجية تتعلق بإقناع الصحفيين بقدر ما كانت تتعلق بإغراقهم، وإشباع بيئة المعلومات بالادعاءات والادعاءات المضادة والاستعراضات، وكان هذا النهج سمة بارزة في ولاية ترامب الثانية، حيث يكافح الصحفيون لمواكبة سيل من الأوامر التنفيذية، والإعلانات السياسية، والخطابات النارية على منصة "تروث سوشيال"، والحركات المثيرة للجدل التي تجذب الانتباه.

مع ذلك، فبينما شن الرئيس حروبًا عالمية في الأشهر الأخيرة، تحول البيت الأبيض من إرباك الصحافة ومهاجمتها بالتناوب إلى محاولة تحديد الشروط التي يتم بموجبها تقديم التقارير.

في مارس، وخلال إحاطة صحفية في البنتاجون، هاجم وزير الحرب بيت هيجسيث الصحافة بشدة لتغطيتها حرب ترامب على إيران، وتطرق إلى عناوين الأخبار واحدًا تلو الآخر، محللًا كلمات محددة، واصفًا تقريرًا لشبكة CNN بأنه "غير جاد"، ثم قدّم المذيع السابق في "قناة فوكس نيوز" بدائله الخاصة.

في البنتاجون، أُجبر الصحفيون على توقيع اتفاقيات تمنعهم من الحصول على معلومات لم توافق الإدارة على نشرها، ورفضت العديد من وسائل الإعلام الرئيسية ذلك وتنازلت عن اعتماداتها، لتحل محلها مجموعة من الصحفيين الموالين لترامب، بمن فيهم شخصيات مثل الناشطة اليمينية المتطرفة لورا لومر.

أبطل قاضٍ فيدرالي الشهر الماضي هذه السياسة، واصفًا إياها بأنها انتهاك للتعديل الأول للدستور الأمريكي. وأعلن البنتاجون أنه سيتم نقل الصحفيين العائدين من مكاتبهم القديمة إلى ملحق خارج المبنى.

في الوقت نفسه، بدا ترامب أكثر انفتاحًا على الصحافة من أي وقت مضى، إذ تحدث في حديقة البيت الأبيض، وعلى مدرجات الطائرات، وفي المؤتمرات الصحفية الرسمية، كما أنه كان يرد على مكالمات الصحفيين عبر هاتفه المحمول في جميع الأوقات.

كما تحدث ترامب إلى وسائل الإعلام الرئيسية باللغة الإنجليزية، بالإضافة إلى صحف أخرى مثل صحيفة "كورييري ديلا سيرا" الإيطالية، لكن كثيرًا ما تتغير إجاباته وتتناقض مع نفسها، حتى في اليوم نفسه أحيانًا.