منذ فجر التاريخ، لم تكن سيناء مجرد قطعة أرض تقع في أقصى الشرق المصري، بل ظلت تمثل درعًا إستراتيجيًا وعمقًا حيويًا للأمن القومي، إذ تتقاطع الجغرافيا مع السياسة، والتاريخ مع معادلات القوة، فهي بوابة مصر الشرقية، وخط الدفاع الأول عن وادي النيل، ونقطة الارتكاز التي تُدار من خلالها التوازنات الإقليمية، بما يجعلها حجر الزاوية في معادلة الأمن والاستقرار للدولة المصرية.
عسكريًا.. محور الردع وإدارة التهديدات
وقال اللواء أركان حرب إبراهيم هلال، الخبير العسكري والإستراتيجي المصري، إن سيناء تُعد الحقيقة الإستراتيجية منذ الأزل في التاريخ والجغرافيا، إذ هُزِم على أرضها أعتى الجيوش، ما يجعلها أرض الردع وإدارة التوازنات، ونقطة الارتكاز لحدود مصر الشمالية الشرقية، ومحور الأمن الاستباقي للأمن القومي المصري، فضلًا عن كونها المجال الحيوي لإدارة التهديدات المستقبلية.
وأوضح أن موقع سيناء الفريد كشبه جزيرة، بمساحة تتجاوز 60 ألف كيلومتر مربع، يربط قارتي آسيا وإفريقيا، ما يجعلها خط الدفاع الأول عن منطقة وادي النيل، والحاجز الجغرافي الطبيعي في مواجهة أي تهديد قادم من الشرق عبر مختلف العصور، وأنها شكَّلت عبر التاريخ مسرحًا للحروب الكبرى، وعمقًا إستراتيجيًا، ومنطقة لاحتواء وامتصاص الصدمات قبل وصولها إلى الداخل المصري، وهو ما يجعل السيطرة الكاملة عليها شرطًا أساسيًا لتحقيق الأمن القومي
وأكد "هلال"، في تصريحات خاصة لموقع "القاهرة الإخبارية"، أن سيناء تمثل الحدود مع قطاع غزة وامتداده مع إسرائيل، حيث تتقاطع فيها التهديدات التقليدية للنزاعات الإقليمية مع التهديدات غير التقليدية، خاصة عمليات التهريب. ومن ثم تلعب دورًا مركزيًا في منع التسلل والاختراق، وإحكام السيطرة على الحدود، وتدمير البنية التحتية للتهريب، وإنشاء المناطق العازلة، وتأمين المعابر لإدارة تلك التهديدات.
وأشار إلى أن سيناء شهدت خلال السنوات الماضية حربًا شاملة ضد الإرهاب، نجحت خلالها القوات المسلحة المصرية -بالتعاون مع أجهزة الدولة المختلفة- في القضاء عليه، عبر تنسيق عالي المستوى وتكامل واضح بين الجيش والشرطة والأجهزة الاستخباراتية، ما عزز من استقرار المنطقة.
وأضاف أن سيناء تُستخدم كذلك كمنطقة لضبط التوازن الأمني، من خلال منع الجماعات الإرهابية والعصابات من تهريب السلاح والبشر، والحيلولة دون انتقال الفوضى من الحدود مع إسرائيل أو قطاع غزة، بما يجعلها منطقة احتواء تمنع انتقال الأزمات إلى الداخل المصري، مع الحفاظ في الوقت ذاته على دور مصر كوسيط رئيسي في الملف الفلسطيني.
وشدد الخبير العسكري على أن أهمية سيناء لا تقتصر على البعد الدفاعي فقط، بل تمتد إلى تعزيز الردع الإقليمي، باعتبارها مسرحًا للجاهزية العسكرية وانتشار القوات القادرة على التحرك السريع، إلى جانب البنية التحتية العسكرية المتطورة، كما تمثل رسالة ردع إستراتيجية واضحة لأي تهديد للحدود الشرقية، حيث يقابل ذلك برد فوري قوي ومخطط مسبقًا.
كما تُعد سيناء حلقة وصل إستراتيجية بين مسارح العمليات في شرق البحر المتوسط والبحر الأحمر، فضلًا عن دورها في الربط بين الأمن البري والبحري، وموقعها المحوري في حماية قناة السويس، أحد أهم الشرايين الاقتصادية العالمية.
ومع تطور طبيعة الصراعات، وانتشار حروب الجيل الرابع (اللا تماثلية) والخامس (الهجينة) والسادس (الحرب عن بُعد)، إضافة إلى الطفرة التكنولوجية خاصة في مجال الذكاء الاصطناعي، يتجه دور سيناء إلى آفاق أوسع، لتتحول إلى منطقة أمن شامل، لا تقتصر على كونها مسرح عمليات عسكرية، بل تصبح أيضًا محورًا للتنمية الاقتصادية وخط دفاع مجتمعي ضد التطرف.
دبلوماسيًا.. صمام الأمان
من جهته، أكد السفير حسين هريدي، مساعد وزير الخارجية المصري الأسبق، أن شبه جزيرة سيناء كانت ولا تزال -منذ عهد الفراعنة وحتى اليوم- البوابة الشرقية لمصر، والخط الفاصل بينها وبين سوريا الكبرى، وحائط الصد الرئيسي أمام حالة عدم الاستقرار في الشرق الأوسط.
وأوضح أن سيناء تمثل أيضًا حلقة وصل بين مصر وشبه الجزيرة العربية ودول الخليج، في حين تُعد قناة السويس حدها الغربي، وتقع بين القناة وخط الحدود مع فلسطين المحتلة الذي تم ترسيمه عام 1906، ما يجعلها صمام الأمان للأمن القومي المصري.
وأشار "هريدي"، في تصريحات خاصة لموقع "القاهرة الإخبارية"، إلى أن خطة تعمير سيناء الشاملة تمثل ركيزة أساسية لتعزيز الأمن القومي، إذ إن إنشاء مجتمعات عمرانية متكاملة، قائمة على التعليم والتدريب، يسهم في تنمية شبه الجزيرة ويعزز من قدرتها على التصدي لأي تهديدات محتملة على الحدود الشرقية.
وأعرب عن تطلعه إلى إقامة نصب تذكاري كبير في سيناء، على غرار "تمثال نهضة مصر"، تخليدًا لذكرى شهداء الوطن من القوات المسلحة والشرطة وأبناء القبائل، الذين ضحوا بأرواحهم دفاعًا عن أرض سيناء وسيادتها.
صوت القبائل.. يد تبني ويد تحارب
وفي السياق ذاته، قال الشيخ عارف أبو عكر، أحد رموز قبائل سيناء، إن أبناء سيناء جسدوا عبر التاريخ معادلة "يد تبني ويد تحارب"، مؤكدًا أن دور القبائل لم يكن وليد اللحظة، بل يمتد منذ حروب 1956 و1967 و1973، حين لعبوا دورًا محوريًا في دعم القوات المسلحة.
وأشار إلى وصف الرئيس الراحل أنور السادات لأبناء سيناء بـ"الأقمار الصناعية البشرية"، في إشارة إلى دورهم الاستخباراتي الفاعل، لافتًا إلى استمرار هذا الدور جنبًا إلى جنب مع القوات المسلحة في مواجهة الإرهاب، حيث قدمت القبائل تضحيات كبيرة من الشهداء دفاعًا عن أرض الوطن.
وأكد "عارف"، في تصريحات خاصة لموقع "القاهرة الإخبارية"، أن ما تشهده سيناء حاليًا من جهود إعادة إعمار وتطوير وتحلية مياه، يمثل في جوهره تعزيزًا مباشرًا للأمن القومي المصري، مشيرًا إلى أن صحيفة "يديعوت أحرونوت" الإسرائيلية، حذرت من أن تنمية سيناء تمثل تهديدًا إستراتيجيًا لإسرائيل.
كما لفت إلى ما تمتلكه سيناء من ثروات طبيعية هائلة، تشمل المعادن والأراضي الزراعية الخصبة، خاصة في مناطق الشيخ زويد ورفح، التي كانت تُعد سلة غذاء لمصر، حيث كانت تصدر منها الخضروات والفواكه إلى دول الخليج.
واختتم حديثه بالتأكيد على ضرورة الحفاظ على أعلى درجات اليقظة، في ظل ما تشهده المنطقة من توترات، مشددًا على أن حماية سيناء واجب وطني مستمر، في ظل وجود تهديدات قائمة تتطلب استعدادًا دائمًا.