بعد أن جعلت المسيّرات الجوية الأوكرانية عالية التقنية المنطقة التي يبلغ طولها 50 كيلومترًا خلف خطوط المواجهة فخًّا مميتًا للقوات الروسية، وفي البحر، حيث وجّهت المسيّرات البحرية ضربات قوية لأسطول البحر الأسود الروسي، يأتي التطور الجديد على الأرض، حيث تُستخدم أنظمة الروبوتات الأوكرانية لمهاجمة مواقع الروس والاستيلاء عليها.
وبالتكامل مع المسيّرات والقوات البشرية، تمتلك الروبوتات الأرضية القدرة على إعادة تشكيل أساليب خوض الحروب "تمامًا كما حدث مع ظهور البارود في العصور الوسطى، أو تطوير الدبابات خلال الحرب العالمية الأولى"، حسب تعبير النسخة الأوروبية لصحيفة "بوليتيكو".
الأسبوع الماضي، سلّط الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي الضوء على كيفية استيلاء روبوتات على موقع روسي أرضي وإجبار الجنود على الاستسلام. وقال: "لأول مرة في تاريخ هذه الحرب، تم الاستيلاء على موقع للعدو حصريًا بواسطة منصات غير مأهولة، أنظمة أرضية وطائرات مسيّرة".
جرت العملية التي أشار إليها زيلينسكي الصيف الماضي في منطقة خاركيف شرق أوكرانيا، وكانت استخدامًا مبكرًا لروبوتات الكشف في ساحة المعركة.
ووفق ما نقلت "بوليتيكو"، كانت مجموعات الهجوم من المشاة متمركزة على بعد 5 كيلومترات من الهدف. واستخدمت روبوتين انتحاريين (كاميكازي) أرضيين وطائرات مسيّرة لبدء الهجوم. "في البداية، دمر أحدهما مدخل الموقع الروسي. وبمجرد أن بدأ الروبوت الأرضي الثاني بالاقتراب، رفع الروس لافتة من الورق المقوى تشير إلى استعدادهم للاستسلام. بعد ذلك، قامت طائرات مسيّرة بمرافقة جنديين روسيين إلى أقرب موقع أوكراني، حيث تم أسرهما".
ويُعدّ هذا الأمر بالغ الأهمية لأوكرانيا، التي واجهت صعوبة في تجنيد أعداد كافية من الجنود لصدّ هجمات "موجات اللحم" الروسية المتواصلة التي تُخلّف خسائر فادحة في صفوف المشاة.
وتعتمد إستراتيجية أوكرانيا الحالية في ساحة المعركة على قتل عدد من الجنود الروس يفوق قدرة موسكو على تجنيدهم، لذا من الضروري لكييف الحفاظ على انخفاض خسائرها مع إلحاق أكبر قدر ممكن من الضرر بالقوات المعادية.
روبوتات "كاميكازي"
وأدت العملية العسكرية الروسية في عام 2022 إلى زج أوكرانيا في سباق تسلح تكنولوجي، حيث باتت الآن متقدمة فيه. فقبل عامين فقط، كانت الروبوتات عاملًا هامشيًا في ساحة المعركة. في المقابل، تعمل روسيا على توسيع استخدامها للمسيّرات البرية لإمداد الجنود وإجلاء الجرحى ومهاجمة العدو من حين لآخر.
ووفق الصحيفة، تؤكد هذه التطورات غير الدموية كيف يمكن للروبوتات أن تغير حسابات الحرب بشكل عام، وأن تستبدل الهجمات البشرية المكلفة بالضغط الذي يتم تشغيله عن بعد.
وتتمتع الروبوتات الأرضية بمزايا على نظيراتها الجوية، فهي تستطيع حمل حمولات أكبر بكثير، ويمكنها البقاء لفترة أطول، ويمكنها القتال على الأرض مع حماية مدرعة وأسلحة أثقل.
وقارن ميكولا بيليسكوف، وهو محلل عسكري أوكراني يعمل في المعهد الوطني للدراسات الإستراتيجية، وصول الروبوتات بالثورة التي حدثت في الشؤون العسكرية في عشرينيات وثلاثينيات القرن العشرين، عندما اجتمعت التكنولوجيا الحديثة، مثل المدافع الرشاشة والدبابات والطائرات، لقلب موازين الحرب في أوائل القرن العشرين.
لكن بيليسكوف حذر من أن استخدام الروبوتات "قد يؤدي إلى استنتاج لا أساس له حول تقليل أهمية البشر في الحرب"، وهو ما قال إنه "لا يزال حاسمًا".
كما حذر معهد هدسون بالعاصمة الأمريكية واشنطن من أنه "حتى لو استطاعت الروبوتات تحمل بعض أعباء القتال، فإن فعاليتها مقيدة بصعوبة التنقل في التضاريس الوعرة وغير المستوية بالقرب من خطوط المواجهة، وبضعفها الشديد أمام الطائرات المسيّرة".
طفرة جديدة
لم تكن القيادة الأوكرانية مقتنعة في البداية بالروبوتات الأرضية لقلة عدد المشغلين المهرة. إلا أن هذا تغيّر بعد أن اختبرتها في بيئات مختلفة وأثبتت جدواها، خاصة بعد نجاحات الطائرات المسيّرة، حيث حققت أوكرانيا تفوقًا على روسيا وتقوم الآن بقصف قواتها وإمداداتها اللوجستية في "منطقة قتل" بعيدة خلف خطوط المواجهة.
نتيجة لذلك، تشهد أوكرانيا طفرة في تصميمات الروبوتات. وقد انتقل نحو 200 من منتجي الروبوتات الأرضية الأوكرانيين والجيش بالفعل من مرحلة الاختبار إلى مرحلة الدمج مع الوحدات العسكرية.
ومنذ بداية عام 2025، وافقت وزارة الدفاع الأوكرانية على نحو 40 روبوتًا جديدًا؛ وبحلول نهاية العام الماضي، تم تزويد الجيش بنحو 15 ألف روبوت. وفي نوفمبر، كانت 67 وحدة تستخدمها؛ وبحلول مارس، ارتفع هذا العدد إلى 167 وحدة.
ويُعدّ روبوت TerMIT، الذي طورته شركة Tencore الأوكرانية، روبوتًا أرضيًا مجنزرًا قادرًا على حمل ما يصل إلى 400 كيلوجرام بسرعة قصوى تبلغ 15 كيلومترًا في الساعة، ويعمل على مدى يصل إلى 40 كيلومترًا.
ويُستخدم هذا الروبوت في مختلف المهام، بدءًا من نقل البضائع وصولًا إلى عمليات الإخلاء الطبي، وحتى في القتال عند تجهيزه برشاشات وقاذفات قنابل يدوية.
أيضًا، بدأ العديد من منتجي الروبوتات الأجانب بالفعل بالدخول إلى أوكرانيا، ساعين إلى إقامة شراكات مع الشركات المحلية، بينما تسعى الشركات المصنعة الأوكرانية لفتح خطوط إنتاج في أوروبا والاندماج في سوق الدفاع الأوروبي.