لم تكن استعادة سيناء بالكامل مجرد ملحمة عسكرية انتهت بانتصار أكتوبر، بل امتدت فصولها إلى ساحات أكثر تعقيدًا، حيث لا صوت للرصاص، بل للوثائق والخرائط والقانون، وفي قلب هذه المعركة الهادئة برزت قضية طابا كأحد أعظم نماذج "التحرير الدبلوماسي"، حين خاضت مصر معركة العقول لتسترد آخر شبر من أرضها، مؤكدة أن السيادة لا تُصان بالقوة وحدها، بل بالعلم والإرادة والحق.
ومع الاحتفال بذكرى تحرير سيناء في الخامس والعشرين من أبريل من كل عام، وهو اليوم الذي استعادت فيه مصر كامل أراضيها بعد انسحاب آخر جندي إسرائيلي وفقًا لمعاهدة كامب ديفيد، تبقى طابا شاهدًا على أن معركة التحرير لم تنتهِ عند هذا الحد، إذ ظلت خارج السيادة المصرية حتى حُسِمت قضيتها لاحقًا عبر التحكيم الدولي في 15 مارس 1989، لتكتمل خريطة الوطن.
كيف بدأت أزمة طابا؟
عقب توقيع معاهدة السلام في عام 1979، التزمت إسرائيل بالانسحاب الكامل من سيناء بحلول 25 أبريل 1982، غير أنها أثارت أزمة بشأن العلامة الحدودية رقم 91، مدعية مواقع غير دقيقة بهدف ضم منطقة طابا.
وأمام هذا التعنت، تمسكت مصر بإنهاء الاحتلال كاملًا، مع السعي إلى تسوية النزاع عبر الوسائل القانونية التي نصت عليها المعاهدة، لتبدأ مرحلة جديدة من الصراع، عنوانها "القانون بدلًا من السلاح".
بداية معركة العقول
في 11 سبتمبر 1986، وقعت مصر وإسرائيل مشارطة التحكيم، لتُحال القضية إلى هيئة دولية مكونة من خمسة محكمين، ومنذ تلك اللحظة بدأت مصر واحدة من أدق معاركها القانونية، استمرت نحو أربع سنوات، جمعت خلالها كل ما يمكن أن يثبت حقها التاريخي، وفقًا لهيئة الاستعلامات المصرية.
لم تكن المهمة سهلة، فقد اعتمدت إسرائيل على المراوغة وتغيير مواقع العلامات الحدودية، لكن مصر واجهت ذلك بتخطيط علمي دقيق، مستندة إلى خبراء في القانون الدولي والجغرافيا والتاريخ.
عبقرية المفاوض المصري
قدّم الفريق المصري 4 مذكرات قانونية رئيسية بين عامي 1986 و1988، شكّلت بناءً متكاملًا للحُجَّة المصرية، مدعومة بـ245 وثيقة رسمية، شملت:
ــ خرائط تعود إلى ما بعد الحكم الذاتي المصري في العهد العثماني.
ــ وثائق من فترة الاحتلال البريطاني.
ــ تقارير مصلحة الحدود.
ــ مراسلات رسمية تعود إلى أوائل القرن العشرين.
هذه الأدلة لم تكن مجرد أوراق، بل سردية تاريخية متكاملة تثبت أن طابا كانت دائمًا داخل الحدود المصرية.
المواجهة في قصر الأمم بجنيف
بين 25 يناير و15 فبراير 1988، شهد قصر الأمم في جنيف جلسات المرافعة الشفوية، التي مثلت ذروة الصراع، وهناك وقف الفريقان وجهًا لوجه، في معركة حاسمة لإقناع هيئة التحكيم.
يصف عضو الفريق القانوني الدكتور مفيد شهاب تلك اللحظات بأنها كانت مشحونة بالتوتر، إذ أدرك الجميع أن هذه هي الفرصة الأخيرة لحسم القضية، ولم يكن الانتصار ممكنًا إلا بحُجج دامغة، استطاع الفريق المصري تقديمها بكفاءة لافتة.
فريق صنع النصر دون بنادق
كما يخوض الجنود المعارك على الجبهات، خاض فريق قانوني مصري معركة لا تقل شراسة، ضم نخبة من أبرز الخبراء، هم: الدكتور مفيد شهاب، أستاذ القانون الدولي بجامعة القاهرة، نائب رئيس الفريق المصري، والمقرر العام للجنة الوطنية العليا لقضية طابا، والسفير نبيل العربي، المستشار القانوني لوزارة الخارجية، رئيس الفريق القانوني المصري أمام هيئة التحكيم، والمستشار عمر زين الدين، نائب رئيس مجلس الدولة المصري، وخبير القانون الإداري والدولي، والدكتور جمال زهران، أستاذ القانون الدولي بجامعة القاهرة، خبير في قانون المعاهدات والمنازعات الحدودية، الدكتور عماد الدين جاد، أستاذ القانون الدولي المساعد، باحث في الفريق القانوني.
كما ضم الفريق مجموعة من الخبراء والمساحين وهم: اللواء صلاح الدين الحديدي، رئيس هيئة المساحة العسكرية المصرية الأسبق، خبير المساحة والخرائط، والذي كان المسؤول الأول عن تحليل الخرائط التاريخية وتحديد مواقع العلامات الحدودية، والعميد أحمد شفيق، ضابط بهيئة المساحة العسكرية، والدكتور محمد رفعت، أستاذ الجغرافيا التاريخية بجامعة القاهرة، والدكتور عبدالرحمن عبدالله، خبير في نظم المعلومات الجغرافية، وفقًا لموقع وزارة الأوقاف المصرية.
حين نطق الحكم باسم مصر
في التاسع والعشرين من سبتمبر عام 1988، كان الموعد المنتظر انعقدت هيئة التحكيم في جنيف لإصدار حكمها التاريخي في قضية طابا، وكانت الدقائق ثقيلة، والأعين شاخصة، والقلوب تخفق.
اجتمع المحكمون الخمسة في جلسة مغلقة استمرت ثلاث ساعات، ثم دخلوا قاعة الجلسة العلنية، وقف رئيس الهيئة القاضي لاجرجرين، وبدأ يتلو الحكم باللغة الفرنسية.
وبعد ساعات من الترقب، أعلن القاضي لاجرجرين كلمة الفصل: "بناءً على ما تقدم، تقرر هيئة التحكيم بأغلبية أربعة أصوات مقابل صوت واحد، أن الحدود الدولية بين مصر وإسرائيل في منطقة طابا هي الحدود الموضحة في الخريطة المرفقة بهذا الحكم، والتي تضع المنطقة المتنازع عليها داخل السيادة المصرية، وبناءً عليه فإن إسرائيل ملزمة بالانسحاب من المنطقة المتنازع عليها وتسليمها لمصر في موعد أقصاه 15 مارس 1989"، بحسب نص حكم هيئة التحكيم في قضية طابا، طبقًا لوثائق هيئة التحكيم.
لقد كان حكمًا بالإجماع تقريبًا، أربعة أصوات مقابل صوت واحد "الصوت الإسرائيلي"، وحتى المحكِّمة الإسرائيلية في هيئة التحكيم البروفيسور روث لابيدوت لم تستطع أن تنكر قوة الحجة المصرية، فانضمت إلى الأغلبية في الاعتراف بمصرية طابا، بعد أن اقتنعت بصحة الأدلة المصرية.
كانت لحظة فارقة، وصفها "شهاب" بأنها مزيج من الفرح والتعب والانتصار، بينما لم يتمالك السفير نبيل العربي دموعه، في مشهد جسّد انتصار الحق بعد معركة طويلة.
رفع العلم واكتمال الحلم
في 19 مارس 1989، رُفِع العلم المصري على طابا، معلنًا اكتمال تحرير سيناء، ليس فقط بقوة السلاح، بل بقوة القانون أيضًا، وأثبتت هذه المعركة أن مصر قادرة على استعادة حقوقها بكل الوسائل، وأن "معركة العقول" قد تكون أحيانًا أكثر حسمًا من ميادين القتال.
قضية طابا ليست مجرد نزاع حدودي انتهى بحكم دولي، بل درس تاريخي في كيفية إدارة الصراعات الحديثة، فقد نجحت مصر في تحويل القانون إلى أداة للتحرير، والوثيقة إلى سلاح، لتؤكد أن الأمم التي تعرف تاريخها، وتثق في حقها، قادرة دائمًا على استعادته.