في الوقت الذي تتصاعد فيه التوترات العسكرية قرب مضيق هرمز، وتدور مفاوضات حساسة بين واشنطن وطهران، كشفت صحيفة نيويورك تايمز عن تناقض جوهري يُهدد هذه المحادثات، وهو التصادم بين أسلوبين تفاوضيين لا يمكن التوفيق بينهما بسهولة، وهو أن رئيس أمريكي يطلب الحسم السريع وإعلان الانتصار، في مقابل دولة تجعل من الصبر والمراوغة سلاحًا إستراتيجيًا.
انتصار سريع وفن الصمود
تشير الصحيفة الأمريكية إلى أن الرئيس ترامب يرى في نفسه سيد الدبلوماسية القسرية، القادر على إرغام الخصوم على الرضوخ تحت وطأة الضغط والتهديد، إلا أن طهران أثبتت خلال الأسابيع الستة الماضية أنها ليست خصمًا عاديًا، إذ تتمسك القيادة الإيرانية بمبدأ المقاومة حتى في أحلك الظروف، وتعتبر المراوغة التفاوضية حقًا مشروعًا لا تنازلًا.
وقد بلغ هذا التناقض ذروته حين أعلن ترامب علنًا أن إيران "وافقت على كل شيء"، بما فيه التخلص من "غبارها النووي"، فسارع المسؤولون الإيرانيون إلى الرد عبر منصات التواصل الاجتماعي نافين ما قاله جملةً وتفصيلًا، في مشهد كشف أن أساليب ترامب في "الحرب النفسية" التفاوضية لا تُجدي نفعًا مع طهران.
وقد لخّص روبرت مالي، المفاوض الأمريكي الذي أشرف على مفاوضات اتفاق 2015 ثم محادثات إدارة بايدن الفاشلة، هذه المفارقة لصحيفة نيويورك تايمز بعبارات لافتة: "ترامب متهور ومزاجي، والقيادة الإيرانية عنيدة ومثابرة. ترامب يطالب بنتائج فورية، وإيران تلعب على المدى البعيد. ترامب يؤمن بأن القوة الغاشمة تُنتج الطاعة، وإيران مستعدة لتحمل أقصى درجات الألم بدلًا من التخلي عن مصالحها الجوهرية".
درس التاريخ
لفهم حجم التحدي الراهن، تستحضر نيويورك تايمز تجربة مفاوضات عام 2015 التي استغرقت قرابة عامين كاملين، وانتهت باتفاق تجاوز 160 صفحة شمل خمسة ملاحق تقنية تفصيلية، تناولت حدود النشاط النووي الإيراني وجداول رفع العقوبات وآليات التفتيش الدولي.
وكانت كل صفحة منه تقريبًا محل خلاف، بل إن المفاوض الإيراني عباس عراقجي، الذي يتقلد اليوم منصب وزير الخارجية، كان يُغادر جلسات التفاوض في قاعات فندق "بو ريفاج بالاس" العريق في لوزان ليُعلن للصحفيين عن "السيادة والكرامة"، بينما كان الأمريكيون يتحدثون عن أعداد أجهزة الطرد المركزي والكميات المسموح بها من اليورانيوم.
وتنقل الصحيفة عن كبيرة المفاوضين الأمريكيين آنذاك، وندي شيرمان، قولها إن الفريق توصل في مرحلة ما إلى توافق حول المعايير الرئيسية، "ثم خرج المرشد الأعلى بعد أيام معدودة ليُعلن أن الأمر يستلزم شروطًا مختلفة تمامًا".
وكانت شيرمان تحضر المفاوضات برفقة كبير خبراء الاستخبارات المركزية المتخصصين في الشأن الإيراني، ووزير الطاقة إرنست مونيز الخبير في التسليح النووي، فضلًا عن فرق المختبرات الوطنية التي كانت تتولى تحليل المقترحات الإيرانية للتثبُّت من أنها تُبقي إيران على بُعد عام على الأقل من امتلاك قنبلة نووية.
فريق تفاوضي خفيف الحقائب
على النقيض من ذلك، يصف مراقبون الفريق الأمريكي الحالي بأنه "خفيف الحقائب"، إذ يقوده جاريد كوشنر صهر الرئيس وستيف ويتكوف مبعوثه الخاص، وكلاهما قادم من عالم صفقات العقارات في نيويورك لا من الدبلوماسية النووية المعقدة.
ويؤكد الرجلان أنهما أتقنا تفاصيل الملف الإيراني، وأن "الصفقة صفقة" بصرف النظر عن تعقيداتها التقنية، كما يرفضان الاستفادة من التجارب الدبلوماسية السابقة، لا سيما أن ترامب نفسه يصف اتفاق 2015 بأنه كان "طريقًا مضمونًا نحو السلاح النووي"، متعهدًا بأن ما يجري التفاوض عليه الآن "سيكون أفضل بمراحل".
وتُضيف نيويورك تايمز بُعدًا آخر يُعقِّد المشهد، إذ يتذرع المسؤولون الإيرانيون بأن ترامب انسحب من اتفاق 2015 عام 2018، وأنه أصدر أوامر بضرب إيران مرتين وسط مسار دبلوماسي جارٍ، مرة في يونيو 2025 ومرة في فبراير الماضي، وهو ما يصفونه بـ"الغدر"ـ ودليل على أن ترامب ليس شريكًا موثوقًا في أي اتفاق مستقبلي.
مضيق يشتعل ودبلوماسية في خطر
ولم تقتصر التوترات على طاولة المفاوضات، بل امتدت إلى المياه الدولية حين فتحت زوارق تابعة للحرس الثوري الإيراني النار على ناقلتي شحن قرب مضيق هرمز؛ بحجة خرقهما قواعد المرور التي تفرضها طهران على الملاحة في المضيق.
ورد الأسطول الأمريكي بتدمير غرفة محركات سفينة حاوية إيرانية ضخمة والسيطرة عليها، فيما أعلن ترامب عبر منصة تروث سوشيال أن السفينة كانت خاضعة لعقوبات أمريكية منذ عام 2020 بسبب "أنشطة غير مشروعة سابقة".
وترى نيويورك تايمز أن هذه المناوشات العسكرية ليست منفصلة عن الدبلوماسية، بل هي امتداد لها على الأرض، فطهران تُرسل رسالة مفادها أنها قادرة على التحكم في شريان الطاقة العالمي بصرف النظر عن أي اتفاق، فيما تُؤكد واشنطن استعدادها لاستئناف العمليات العسكرية إن فشلت المفاوضات.