كشفت صحيفة "بوليتيكو" الأمريكية أن الحرب التي شنتها الولايات المتحدة وإسرائيل على إيران في الثامن والعشرين من فبراير الماضي، لم تقتصر تداعياتها على الميدان العسكري، بل امتدت لتُلقي بظلالها الثقيلة على منظومة التحالفات الأمريكية والنفوذ الدبلوماسي والاقتصادي لواشنطن في أرجاء العالم.
وفي ظل أسلوب إدارة الرئيس دونالد ترامب المتقلب وغير التشاوري، باتت أمريكا تواجه عزلة دولية متصاعدة، يرى مراقبون أن تداعياتها قد تكون بالغة الأثر على المدى البعيد، فيما تجد القوى المنافسة، كالصين وروسيا، في هذا الانسحاب الأمريكي فرصةً ثمينةً لتعزيز نفوذها.
صدمة الطاقة تعصف بدول لم تختر الحرب
أفضى إغلاق مضيق هرمز وضربات إيران المتكررة على منشآت الطاقة في المنطقة إلى ارتفاع حاد في أسعار النفط والغاز، امتدت تداعياته من بنجلاديش إلى سلوفينيا.
ولجأت دول عديدة إلى تطبيق برامج تقنين للوقود وفرض العمل عن بُعد وتعليق بعض الصادرات، في مشهد أثار موجة واسعة من الاستياء لدى حكومات وجدت نفسها تتحمل تبعات حرب لم تختَرها ولم تُستشَر فيها.
وعلى الرغم من أن الولايات المتحدة تحتفظ بمكانتها؛ بوصفها أكبر مُصدِّر للغاز الطبيعي في العالم، كما أكد وزير الطاقة كريس رايت في تصريحات لشبكة "سي إن إن"، فإن هذه الميزة قد تتآكل مع تسارع دول آسيا وأوروبا نحو الطاقة المتجددة والنووية؛ تحصُّنًا من مخاطر الاعتماد على مورِّد وحيد، وهو الدرس الذي استخلصته أوروبا من الحرب الروسية الأوكرانية.
وفي هذا السياق، قال رئيس بنك التنمية الآسيوي، ماساتو كاندا، خلال فعالية لـ"مجلس العلاقات الخارجية" في واشنطن، إن الهدف ليس مجرد الصمود في مواجهة الصدمة، بل استثمار مرحلة الغموض لبناء أسس أكثر استدامة واستقرارًا.
وتبدو الصين المستفيد الأكبر من هذا التحول، إذ تهيمن على سلاسل إمداد الطاقة الشمسية وتنتج مركبات كهربائية بأسعار تنافسية، وتسيطر على الجزء الأكبر من معادن الطاقة النظيفة والبطاريات.
تحالفات تتشقق وحلفاء يُعيدون حساباتهم
تشير "بوليتيكو" إلى أن الأشد خطورةً هو ما يطرأ على منظومة التحالفات العسكرية الأمريكية، فعلى النقيض من حروب سابقة في المنطقة نجح فيها البيت الأبيض في استقطاب حلفاء مترددين إلى جانبه، كشف دبلوماسيان أوروبيان للصحيفة أن إدارة ترامب لم تُطلع حتى أقرب حلفائها على خططها قبل إطلاق الحرب، ولم تُوجِّه إليهم طلبات واضحة منذ اندلاعها.
وقد دفع هذا الغياب المزدوج في التشاور والتنسيق كلًا من المملكة المتحدة وفرنسا، إلى عقد اجتماعات مستقلة مع عشرات الدول لوضع خطة لتأمين المضيق بعد انتهاء الحرب، دون حضور واشنطن.
وفي الوقت ذاته، تستكشف دول الاتحاد الأوروبي إمكانية تفعيل المادة 42.7 من معاهدة الدفاع الجماعي، في خطوة تُفسَّر على نطاق واسع بوصفها استجابةً للتهديدات الأمريكية بضم جرينلاند بالقوة.
وعلى الصعيد الأمريكي الشمالي، أعلن رئيس الوزراء الكندي مارك كارني صراحةً أن بلاده لا يمكنها الرهان على شريك أجنبي واحد، مؤكدًا ضرورة تنويع الشراكات الاقتصادية وتصحيح ما وصفه بـ"نقاط الضعف" في العلاقة مع واشنطن.
وفي الشرق الأوسط، جاءت الاستجابات متباينة، فبينما واصلت إسرائيل دورها؛ بوصفها الشريك الأوثق في المواجهة مع إيران، سعت دول الخليج أولًا إلى إثناء واشنطن عن الضربات، قبل أن تنقلب إلى موقف أقرب للتأييد؛ إثر الضربات الإيرانية الانتقامية على أراضيها.
حرب الروايات ومكاسب الخصوم
على الصعيد الدبلوماسي، رصدت "بوليتيكو" تصاعدًا لافتًا في الروايات المعادية لأمريكا عبر وسائل الإعلام في دول ذات أغلبية مسلمة.
وقد حصلت الصحيفة على مقتطف من برقية سرية أرسلها دبلوماسيون أمريكيون من سفارة واشنطن في دوشنبه بطاجيكستان، يحذِرون فيها من تنامي خطاب معادٍ لأمريكا في بيئة إعلامية محكومة، مشيرين إلى أن "منافسين"، في إشارة ضمنية إلى الصين وروسيا.
وبرقيات مماثلة وردت من البحرين وإندونيسيا وأذربيجان، رصدت المنحى ذاته، محذِرةً من أن الروابط الأمنية والدبلوماسية الأمريكية باتت في مهب الريح في بعض هذه الدول.
وقد زاد من تعقيد المشهد إطلاق ترامب "مجلس السلام" الذي صمَمه لمتابعة تنفيذ اتفاق غزة، والذي اتهمه منتقدون بالسعي لتهميش الأمم المتحدة، ولم ينضم إليه من دول الاتحاد الأوروبي سوى المجر وبلغاريا، فيما أعلن المتحدث باسم وزارة الخارجية البلجيكية دافيد جوردنز لـ"بوليتيكو" أن بروكسل لا تعتزم تمويل المجلس.