في وقتٍ تتجه فيه القلوب والأنظار صوب العاصمة الفرنسية باريس، حيث يرقد الفنان المصري القدير هاني شاكر بأحد مستشفياتها، يلتف الجميع في مظاهرة حب صادقة لمتابعة الحالة الصحية لأمير الغناء العربي، هذا المطرب الذي لم يكن يومًا مجرد صوت، بل جسرًا فريدًا ربط بين عظمة العصر الذهبي وحداثة الحاضر؛ فمن رفقته للعندليب الأسمر عبد الحليم حافظ، ووجوده في حضرة كوكب الشرق أم كلثوم وموسيقار الأجيال محمد عبد الوهاب، استمد عراقةً صقلت موهبته وجعلته عابرًا للأجيال لأكثر من نصف قرن.
على مدى أكثر من نصف قرن شكّلت تجربته الغنية ليكون نجمًا عابرًا بين الأجيال يجمع بين قيمة الكلمة وعذوبة الصوت، ورهف الإحساس ليكون بحق أمير الغناء العربي.
"الحديث عن الفنان هاني شاكر هو في حقيقته حديث عن فنان نشأ في عصر العمالقة"، بهذه الجملة بدأ الدكتور أشرف عبد الرحمن، أستاذ النقد الموسيقي بأكاديمية الفنون، رصده لمشوار هاني شاكر، مشيرًا إلى أن بداياته تعود إلى عام 1972، حين وقف للمرة الأولى على المسرح، بعد أن اكتشفه الملحن الكبير محمد الموجي، الصديق المقرب لعبد الحليم حافظ طوال مسيرته الفنية.
مدرسة العندليب
أضاف أشرف عبد الرحمن لـ موقع "القاهرة الإخبارية"، أن الموجي قدّم هاني شاكر في أغنية طويلة على المسرح بعنوان "حلوة يا دنيا"، التي أثارت هذه حالة واسعة من الجدل في ذلك الوقت، حتى أن الصحف تناولتها باعتبارها إعلانًا عن "مولد نجم جديد"، بل ذهب البعض إلى حد التنبؤ بأنه قد ينافس عبد الحليم حافظ ويؤثر على نجوميته، وهي توقعات اعتبرها آخرون آنذاك نوعًا من المبالغة، خصوصًا أن شاكر ينتمي إلى ذات المدرسة الغنائية التي أسسها عبد الحليم.
رغم انطلاق هاني شاكر من مدرسة العندليب، فإنه سعى مبكرًا إلى الاستقلال بشخصيته الفنية، هكذا أوضح عبد الرحمن، إذ قال: اتجه المطرب الشاب آنذاك للتعاون مع مجموعة من الملحنين بعيدًا عن دائرة عبد الحليم، ومنهم خالد الأمير ومحمد سلطان، وقدم من خلالهم أعمالًا مميزة مثل "سبوني أحب"، ما ساعده على تحقيق صعود كبير في عالم الغناء.
وأشار إلى أن شاكر تبنى في تلك المرحلة نمط الأغنية الخفيفة القصيرة ذات الإيقاع، لكنها ظلت محتفظة بقدر من الكلاسيكية، ولم تكن ضِمن موجة الأغاني الشبابية التي ظهرت لاحقًا في الثمانينيات، وهو ما جعله يقدم لونًا خاصًا به.
ولفت إلى أن نجاح هاني شاكر أدى إلى ظهور عدد من الأصوات على النهج نفسه، من بينهم محمد ثروت، كما أن عبد الحليم حافظ نفسه قدم لاحقًا عماد عبد الحليم ليكون منافسًا له، غير أن شاكر استطاع الحفاظ على مكانته الفنية.
تجارب محدودة سينمائيًا
وتطرق إلى تجربة هاني شاكر السينمائية، موضحًا أنها لم تستمر طويلًا، إذ شارك في عدد محدود من الأفلام، من بينها مشاركته مع عادل إمام، لكنه لم يواصل في التمثيل، وركز بشكل أساسي على الغناء والحفلات، وهو ما ساعده على الانتشار عربيًا.
وأكد أستاذ النقد الموسيقي بأكاديمية الفنون، أن من أبرز ما يميز هاني شاكر هو حفاظه على صوته وإحساسه الفني، إذ ظل واحدًا من الأصوات المميزة ذات الأداء العالي، معتبرًا أنه امتداد حقيقي لمدرسة عبد الحليم حافظ، تلك المدرسة التي لم يعد لها حضور قوي في الوقت الراهن.
الحفاظ على الهوية
وأوضح أن شاكر حرص أيضًا على التطور ومواكبة العصر، فكان من أوائل الفنانين الذين قدموا الأغاني المصورة "الفيديو كليب"، وتعاون مع جيل جديد من الملحنين، من بينهم وليد سعد وآخرون، ما ساعده على تقديم أعمال عصرية مع الحفاظ على هويته.
وأشار، أن هاني شاكر قدّم كذلك الأغنية الطويلة التي تنتمي للمدرسة الكلاسيكية، مثل "هو اللي اختار"، وهي من الأعمال التي حققت نجاحًا كبيرًا، كما تعاون مع الملحن بليغ حمدي، مؤكدًا أن شاكر كان حريصًا على عدم حصر نفسه مع ملحنين بعينهم، حتى لا يقع في قالب يشبه عبد الحليم حافظ، لذلك تنوع في تعاونه مع أسماء مختلفة، وابتعد عن الاعتماد الكامل على مدرسة الموجي، رغم نجاحها.
وأضاف أن هاني شاكر قدّم مزيجًا من الأغنيات، سواء الطويلة ذات الطابع الطربي، أو الحديثة السريعة، مثل "غلطة"، دون أن ينجرف إلى تقديم كلمات مبتذلة، بل حافظ على مستوى راقٍ في اختياراته، ساعيًا لتقديم موسيقى جديدة ونغمات حديثة.
وأوضح أن مشواره الفني الممتد من عام 1972 وحتى اليوم، يمثل نحو نصف قرن من العطاء، حيث استمر في تقديم الأعمال حتى أحدث ألبوماته "اليوم الجميل" عام 2024، مؤكدًا أن هذه المسيرة الطويلة تعكس تنوعًا كبيرًا بين الأغنيات الكلاسيكية والطربية والأغاني الخفيفة.
أشار إلى أن هاني شاكر تمكن من فرض نفسه في فترة كانت تعج بالنجوم، سواء من جيله الذهبي أو الأجيال التالية، مثل عمرو دياب وعلي الحجار ومحمد الحلو ومحمد منير، ورغم نجاح هؤلاء، ظل محتفظًا بمكانته الخاصة.
كما أوضح أن بدايات هاني شاكر شهدت نجاحًا لافتًا، حيث كانت كل أغنية يقدمها تحقق صدى واسعًا، وهو ما أسهم في ترسيخ اسمه مبكرًا، مؤكدًا أنه حتى مع ظهور نجوم كبار لاحقًا، لم يتراجع حضوره أو يتأثر.
يؤكد عبد الرحمن أن هاني شاكر سيظل أحد أيقونات الغناء العربي، إذ استطاع أن ينافس في زمن عبد الحليم حافظ، ويحافظ على استمراريته حتى اليوم، ليبقى "أمير الغناء العربي"، بصوت لم يتأثر كثيرًا بمرور الزمن، رغم تجاوزه السبعين عامًا، حيث يبلغ نحو 74 عامًا، فضلًا عن كونه خريج كلية التربية الموسيقية، ما يعكس دراسته الأكاديمية العميقة للموسيقى.
فرض اسمه وسط عمالقة
ومن جانبه، أكد الناقد الفني المصري طارق الشناوي أن الفنان هاني شاكر يُعَد نموذجًا فنيًا عابرًا للأجيال، استطاع أن يتجاوز أكثر من نصف قرن من النجاح المتواصل، منذ ظهوره في أوائل السبعينيات، ليؤكد حضوره في زمن كان يزخر بكبار نجوم الطرب العربي.
وفي حديثه لموقع "القاهرة الإخبارية"، أوضح الشناوي أن قيمة هاني شاكر تتجلى في كونه نجح في فرض اسمه وسط كوكبة من عمالقة الغناء، مثل أم كلثوم ومحمد عبد الوهاب وعبد الحليم حافظ وفريد الأطرش ونجاة الصغيرة وفايزة أحمد ومحمد رشدي، وهو ما يعكس امتلاكه صوتًا ذا خصوصية وقدرة على المنافسة في أصعب العصور الفنية.
وأشار إلى أن أحد أهم أسرار استمرارية هاني شاكر هو قدرته الدائمة على التجدد، من خلال تعاونه مع أجيال مختلفة من الملحنين، بداية من محمد الموجي الذي قدمه في بداياته، مرورًا بالتعاون مع أسماء بارزة مثل خالد الأمير ومحمد سلطان ومنير مراد، وصولًا إلى تعاونه مع ملحني أجياله اللاحقة، مثل سامي الحفناوي، بل وامتد هذا الانفتاح ليشمل حتى التعاون مع أسماء من جيل المهرجانات، في دلالة واضحة على مرونته الفنية وانفتاحه على مختلف الأنماط الموسيقية.
وأضاف أن السينما استعانت به كما حدث مع معظم المطربين الناجحين، موضحًا أنه لا يمكن اعتباره ممثلًا موهوبًا بالمعنى الاحترافي، لكنه خاض التجربة وحقق حضورًا جماهيريًا، بدليل مشاركته في عدد من الأفلام، وهو ما يعكس أن اسمه كان عنصر جذب قوي لشباك التذاكر.
ولفت "الشناوي" إلى أن الشاعر مأمون الشناوي كان من أوائل من تبنوا هاني شاكر فنيًا، حيث تعاقد معه من خلال شركة صوت الحب، التي تُعَد من أوائل شركات الكاسيت التي دعمت انطلاقته، مؤكدًا أن شاكر كان من أكثر الشخصيات قبولًا داخل الوسط الموسيقي، حيث حظي بترحيب واسع من الموسيقيين.
وأشار إلى أن هذا القبول انعكس على اختياره نقيبًا للموسيقيين لأكثر من دورة، موضحًا أن مجرد وجود اسمه كان يمنح النقابة قوة معنوية كبيرة، حتى وإن لم يكن متفرغًا بشكل كامل لإدارتها؛ باعتباره واحدًا من رموز الغناء العربي.
وأكد أن هاني شاكر يمثل أحد آخر امتدادات جيل العمالقة، بل وربما آخر من تبقى من رموز هذا الزمن، وهو ما يمنحه مكانة استثنائية في تاريخ الموسيقى العربية.
وعن سر نجاحه، أوضح الشناوي أن التجدد يظل العامل الأبرز، إلى جانب اهتمامه بالمظهر العام ولياقته البدنية، فضلًا عن احتفاظه بروح شابة، تتجلى في حضوره وخفة ظله وسرعة بديهته، حيث يحرص دائمًا على إدخال روح الدعابة في أحاديثه، ما يعكس شخصية إنسانية قريبة من الجمهور، موضحًا أن مسيرته تظل علامة فارقة في تاريخ الغناء العربي، وأن اسمه سيبقى حاضرًا كأحد أبرز أيقونات هذا الفن عبر الأجيال.
"رقم واحد" بين جيل المبدعين
يؤكد الشاعر المصري عماد حسن أن الفنان هاني شاكر يمثل تجربة فنية استثنائية امتدت لأكثر من نصف قرن، عاصر خلالها أجيالًا متعددة، وقدم أعمالًا وألبومات متنوعة، حرص فيها على التطوير والتجديد، بما يواكب تغيرات الساحة الغنائية، دون أن يكتفي بنجاحاته السابقة أو بما حققه في بداياته.
أضاف لموقع "القاهرة الإخبارية" أن هاني شاكر يُعَد اليوم "رقم واحد" في جيل المبدعين الكبار، بل ومن أبرز القامات الغنائية في مصر والوطن العربي، مشددًا على أن طريقه لم يكن مفروشًا بالورود، بل كان مليئًا بالكفاح والمحاولات والتجارب من أجل الوصول إلى مكانته الحالية كرمز غنائي بارز.
وأشار إلى أن انطلاقة شاكر جاءت في توقيت حساس، حين قدمه الموسيقار محمد الموجي في أولى حفلاته، بالتزامن مع خلافات بينه وبين عبد الحليم حافظ، ما أدى إلى ترويج فكرة أن هاني شاكر هو "بديل" لعبد الحليم أو محاولة لاحتلال مكانته، وهو ما وضعه في موقف صعب للغاية أمام جمهور العندليب.
وأكد أن هذه المقارنات أوقعته في أزمة حقيقية؛ نظرًا لتأثير عبد الحليم الكبير ومحبة الجمهور له، ما جعل بداية هاني شاكر محفوفة بالتحديات والضغوط.
بدايات صعبة
وأضاف حسن أن هاني شاكر ظل يعاني من تلك المقارنات لسنوات طويلة، حتى بعد رحيل عبد الحليم، وهو ما أثّر عليه نفسيًا وفنيًا، إلا أن موهبته الحقيقية وصوته المميز المليء بالإحساس والإمكانيات، مكّنته من الصمود والاستمرار.
وأشار إلى أن شاكر استطاع مع الوقت أن يثبت نفسه كفنان مستقل، لا علاقة له بغيره، حتى بدأ الجمهور يتفهم ذلك ويتقبله كقيمة فنية قائمة بذاتها، لتنطلق مسيرته بشكل أكثر استقرارًا.
وكشف عماد حسن عن تعاونه مع هاني شاكر في عدد من الأغاني التي حققت صدى واسعًا، من بينها "ما تهدديش بالانسحاب" و"غلطة" و"تخسري" مشيرًا إلى أن إجمالي ما جمعهما من أعمال يصل إلى نحو 15 أغنية، شكّلت محطة مهمة في مشوارهما الفني.
كما تطرق إلى الجانب الإنساني لهاني شاكر، مؤكدًا أنه يتمتع بقدر كبير من الرقي والتهذيب، ويحرص دائمًا على الحفاظ على علاقات طيبة مع الجميع، لدرجة أن الخصومات في حياته نادرة للغاية.
وأضاف أنه حتى في حال وجود خلاف، يتسم بالعدل والشرف والاحترام، وهو ما يعكس شخصية متزنة تحظى بمحبة واسعة داخل الوسط الفني.
وأكد أن هاني شاكر سيظل أحد أبرز رموز الغناء العربي؛ نظرًا لمسيرته الطويلة الحافلة بالكفاح والنجاح، متمنيًا له الشفاء العاجل والعودة سريعًا إلى جمهوره لاستكمال رحلته الفنية التي أثرت وجدان أجيال متعاقبة.