الموقع الرسمي | القاهرة الاخبارية

هاني شاكر.. حنجرة ذهبية من زمن الطرب الأصيل

  • مشاركة :
post-title
هاني شاكر

القاهرة الإخبارية - إيمان بسطاوي

بمجرد أن يتسلل صوته إلى الأذن، يأخذك إلى زمنٍ كانت فيه الأغنية رسالة، وكانت الكلمة تُغنّى بإحساسٍ صادق لا يُصطنع. هكذا يظل هاني شاكر واحدًا من أبرز الحراس على بوابة الطرب الأصيل، ومن بين آخر ما تبقى من جيلٍ عاصر عمالقة مثل عبد الحليم حافظ وأم كلثوم ومحمد عبد الوهاب، فحمل عنهم راية الإحساس، ومضى بها عبر عقودٍ طويلة دون أن تنكسر.

بدأ هاني شاكر رحلته الفنية مبكرًا، مدفوعًا بشغفٍ واضح تجاه الموسيقى، لم تكن موهبته وليدة الصدفة، بل جاءت مدعومة بدراسة أكاديمية في كلية التربية الموسيقية بالزمالك، حيث أسهمت تلك المرحلة في صقل أدواته الفنية، ومنحته وعيًا موسيقيًا مبكرًا.

كانت مشاركته في برامج الأطفال وتقديمه أوبريتات غنائية بصوته في برامج "أبلة فضيلة" و"ماما سميحة" بوابته لقلوب الصغار والكبار أيضًا، حتى أنه كان يؤكد في لقائه أنه كان يشترط في ظهوره معه أن يغني صولو "منفردًا"، لكن الانطلاقة الحقيقية جاءت عام 1972، عندما قدّمه الموسيقار محمد الموجي من خلال أغنية "حلوة يا دنيا"، التي شكّلت لحظة فارقة في مسيرته، حتى ظن البعض أنها أغنية جديدة لعبد الحليم حافظ من شدة التشابه في الإحساس.

من الكورال إلى النجومية

قبل أن يصبح نجمًا، وقف هاني شاكر ضِمن كورال أغنية "بالأحضان" مع عبد الحليم حافظ، في مشهدٍ يلخص بداية فنان يتعلّم من الكبار قبل أن يصبح واحدًا منهم، سرعان ما بدأ في تثبيت أقدامه على الساحة، ليطلق أول ألبوم له عام 1974 بعنوان "كده برضه يا قمر"، وهو العمل الذي عرّفه بالجمهور وحقق له انتشارًا واسعًا، خاصة مع الأغنية التي حملت اسم الألبوم.

محاولات على خطى العندليب

لم يكتفِ بالغناء، بل خاض تجربة التمثيل منذ الصغر، حيث جسّد شخصية سيد درويش طفلًا في فيلم "سيد درويش" عام 1966، لاحقًا، اتجه للاحتراف السينمائي في السبعينيات، وشارك في أعمال مثل "عندما يغني الحب" إلى جانب عادل إمام وصفاء أبو السعود، وكذلك فيلم "هذا أحبه وهذا أريده" الذي حقق نجاحًا جماهيريًا.

كما كانت له تجربة مميزة في التلفزيون من خلال فوازير "الخاطبة" مع نيللي، مؤكدًا قدرته على التنقل بين أكثر من مساحة فنية.

على مدى أكثر من خمسة عقود، قدّم هاني شاكر رصيدًا غنائيًا ضخمًا تجاوز 600 أغنية، وأكثر من 30 ألبومًا، تعاون خلالها مع نخبة من كبار الشعراء والملحنين مثل صلاح الشرنوبي، بهاء الدين محمد، ومصطفى كامل وغيرهم الكثير.

ومن أبرز أغانيه التي رسخت في وجدان الجمهور "علي الضحكاية"، "ولا كان بأمري"، "ياريتك معايا"، "حكاية كل عاشق"، "الحلم الجميل"، "قربني ليك"، و"بعدك ماليش"، أما آخر أعماله فكان ألبوم "اليوم جميل" عام 2024، الذي ضم 9 أغنيات عكست استمراره في مواكبة التطور مع الحفاظ على هويته الفنية.

إدارة فنية واعية

تميّز هاني شاكر بذكاء فني في إدارة مشواره، فلم يكن يعتمد على طرح ألبومات بشكل سنوي، بل كان يراهن على عنصر التشويق، ما جعله يحافظ على مكانته في السوق الغنائية، كما خاض تجربة الإنتاج على نفقته الخاصة بعد خلافات مع شركات الإنتاج، قبل أن يعود للتعاون مع شركات كبرى مثل "عالم الفن" و"هاي كواليتي"، في توازن بين الاستقلال والشراكة.

خبرته الطويلة أسهمت في حضوره من خلال مشاركته في عضوية لجان التحكيم بالبرامج الفنية، حيث كان عضوًا في لجنة تحكيم في برنامج "ذا فويس أحلى صوت"، إلى جانب مشاركته في برنامج "صوت الحياة" مع سميرة سعيد وحلمي بكر، ناقلًا خبرته إلى الأجيال الجديدة.

لم يقتصر دوره على الغناء فقط، بل حظى بمحبة وثقة زملائه حيث تولّى منصب نقيب المهن الموسيقية منذ عام 2015، حيث خاض خلال هذه الفترة معارك عديدة للحفاظ على هوية الأغنية المصرية، ورغم تعرضه لهجوم واسع في بعض المواقف، خاصة فيما يتعلق بمنع حفلات اعتبرها لا تتماشى مع القيم الفنية، فإنه تمسك بموقفه، ما عزز صورته كمدافع عن الذوق العام.

جرح لا يندمل

بعيدًا عن الأضواء، عاش هاني شاكر واحدة من أصعب محطات حياته، بوفاة ابنته دينا عام 2011 بعد صراع مع المرض، وهي التجربة التي تركت أثرًا عميقًا في نفسه، وظهر انعكاسها في نبرة صوته الحزينة التي ازدادت صدقًا مع الوقت حتى أنه كان يقول أنه بعد رحيلها لم يكن ينام إلا بالأدوية.

لم يكن هاني شاكر - الذي يمر بمرحلة صحية حرجة للغاية لأكثر من شهرين - مجرد مطرب ناجح، بل حالة فنية متكاملة، استطاعت أن تحافظ على بريقها وسط تحولات قاسية في شكل الأغنية، بصوته الدافئ، وخياراته المدروسة، ظل حاضرًا في وجدان جمهوره، كأحد آخر الأصوات التي ما زالت تُذكّرنا بأن الطرب الحقيقي لا يشيخ.