تكتسب الانتخابات البرلمانية في بلغاريا أهمية متزايدة بعد خسارة رئيس الوزراء المجري فيكتور أوربان، إذ سعت موسكو إلى تعويض نفوذها داخل الاتحاد الأوروبي عبر دعم قوى سياسية قريبة منها.
جاء ذلك في ظل تصاعد مخاوف من تدخل روسي محتمل في العملية الانتخابية، خاصة مع بروز السياسي البلغاري رومن راديف كمرشح بارز يتبنى مواقف معارضة لدعم أوكرانيا، في الوقت نفسه رصدت تقارير نشاطًا مكثفًا على مواقع التواصل لدعم حملته، بحسب "واشنطن بوست".
وأشارت تحليلات إلى أن روسيا تسعى لتعويض خسارة أوربان عبر تعزيز حضورها في دول أخرى داخل الاتحاد الأوروبي، في الوقت نفسه اعتُبرت بلغاريا هدفًا محتملًا لهذا التوجه، وحذّر مسؤولون سابقون من محاولات موسكو بناء شبكات نفوذ جديدة.
ولفتت التقديرات إلى أن موسكو كثفت نشاطها الإعلامي والسياسي، في الوقت نفسه ركزت على دعم شخصيات تتبنى مواقف قريبة منها، إضافة إلى ذلك عززت حضورها عبر منصات رقمية.
فوز دون أغلبية
تصاعدت أهمية الانتخابات التي جرت، اليوم الأحد، في ظل حالة عدم الاستقرار السياسي، إذ شهدت البلاد ثماني جولات انتخابية خلال خمس سنوات، وسط اتهامات بالفساد وتراجع الثقة في المؤسسات، فيما أظهرت استطلاعات الرأي تقدم تحالف "بلغاريا التقدمية" بقيادة راديف بنسبة تقارب 37% إلى 39%، متفوقًا على منافسيه بفارق كبير، بحسب رويترز.
وأظهرت نتائج أوليّة واستطلاعات رأي أن راديف يتجه للفوز دون تحقيق أغلبية مطلقة، ما يفرض عليه الدخول في مفاوضات لتشكيل ائتلاف حكومي في برلمان منقسم، ومن المتوقع دخول عدة أحزاب إلى البرلمان مع نسبة مشاركة تقارب 43%.
جاءت هذه الانتخابات بعد استقالة الحكومة السابقة، إثر احتجاجات واسعة ضد الفساد، ما دفع راديف إلى الاستقالة من منصبه الرئاسي، يناير 2026 لخوض السباق الانتخابي، مع وعود بإصلاح النظام السياسي ومواجهة نفوذ النخب الاقتصادية .
حملات رقمية
رصدت دراسات انتشارًا واسعًا لمحتوى داعم لراديف على منصات مثل تيك توك وفيسبوك، في الوقت نفسه تجاوزت هذه الحملات منافسيه بفارق كبير، إضافة إلى ذلك حققت ملايين المشاهدات خلال فترة قصيرة.
وتبنى راديف مواقف معارضة لدعم أوكرانيا وداعية لإعادة العلاقات مع موسكو، في الوقت نفسه انتقد سياسات الاتحاد الأوروبي، إضافة إلى ذلك طرح نفسه كقائد لتيار مناهض للفساد.
وأشار محللون إلى أن هذه المواقف قد تمنح روسيا فرصة لتعزيز نفوذها، في الوقت نفسه أكد آخرون أن قدرته على التأثير ستظل محدودة، بسبب طبيعة النظام السياسي في بلغاريا، وحاجته لتشكيل ائتلاف حكومي.
قيود أوروبية
اتخذت السلطات البلغارية إجراءات لمواجهة أي تدخل خارجي محتمل، في الوقت نفسه أنشأت وحدة خاصة بالتعاون مع المفوضية الأوروبية، مؤكدة حماية العملية الانتخابية ميدانيًا ورقميًا.
ورأى محللون أن اعتماد بلغاريا على دعم الاتحاد الأوروبي قد يحد من أي توجهات موالية لروسيا، في الوقت نفسه أشاروا إلى أن أي حكومة مقبلة ستواجه قيودًا مؤسسية، وتقلل من احتمالات تكرار نموذج أوربان.
واختتمت التطورات بتأكيد أن الانتخابات البلغارية تُمثل اختبارًا جديدًا لنفوذ روسيا داخل أوروبا، في الوقت نفسه تعكس استمرار التنافس على التأثير السياسي، وتبرز دور الفضاء الرقمي في تشكيل المشهد الانتخابي.
وعكست التطورات صراعًا أوسع على النفوذ داخل أوروبا، إذ تحاول موسكو الحفاظ على قنوات تأثير داخل الاتحاد، في الوقت نفسه تسعى المؤسسات الأوروبية إلى تحصين أنظمتها الديمقراطية.
واختتمت المؤشرات بأن نتائج الانتخابات ستحدد شكل التوازنات المقبلة في بلغاريا، في الوقت نفسه ستعكس مدى قدرة روسيا على التكيف مع المتغيرات الأوروبية، وستؤثر على مسار العلاقة بين الشرق والغرب داخل الاتحاد الأوروبي.
خسارة أوربان
تُمثل خسارة أوربان نهاية مسيرة استمرت 16 عامًا في الحكم، رسّخ خلالها نموذجًا سياسيًا قائمًا على ما يُعرف بـ"الديمقراطية غير الليبرالية"، النموذج الذي حظى بإشادة واسعة داخل أوساط اليمين الشعبوي، خاصة في الولايات المتحدة، وعلى رأسها تيار الرئيس الأمريكي دونالد ترامب.
وخلال فترة حكمه، تبنى أوربان سياسات متشددة تجاه الهجرة، ودخل في صدامات متكررة مع مؤسسات الاتحاد الأوروبي، إلى جانب انتقادات حادة للإعلام والقضاء، ما جعله رمزًا لتيار قومي مُحافظ يسعى لإعادة تعريف العلاقة بين الدولة والمؤسسات الديمقراطية.