جاءت الحرب الأمريكية الإسرائيلية مع إيران لتبرز واحدًا من أبرز الدروس المستفادة عسكريًا، بعد أن أثبتت أنها خصم قوي بشكل مفاجئ للولايات المتحدة، فإلى جانب استعدادها للهجوم، أجبرت إيران الولايات المتحدة على مواجهة انتشار المُسيّرات الرخيصة في ساحة المعركة.
وفيما تُكلّف الطائرات الإيرانية المُسيّرة، المُصنّعة بتقنيات تجارية، حوالي 35 ألف دولار أمريكي لإنتاجها، يُعَدّ هذا جزءًا بسيطًا من تكلفة الطائرات العسكرية الاعتراضية الأمريكية عالية التقنية التي تُستخدم أحيانًا لإسقاطها. قبلها، أثبتت هذه المُسيّرات الرخيصة قدرتها في مسار الحرب بأوكرانيا، ومكَّنت الإيرانيين من استغلال ثغرة في الاستثمارات الدفاعية الأمريكية، التي أعطت الأولوية تاريخيًا لما تراه "حلولًا دقيقة" ولكن باهظة الثمن.
خلال الأيام الستة الأولى فقط، أنفقت الولايات المتحدة 11.3 مليار دولار على الحرب مع إيران. ورغم أن البيت الأبيض والبنتاجون لم يُصدران تقديرات مُحدَّثة، لكن معهد "أمريكان إنتربرايز"، قدَّر في أوائل أبريل أن الولايات المتحدة أنفقت ما بين 25 و35 مليار دولار على الحرب، إذ شكَّلت الصواريخ الاعتراضية الجزء الأكبر من التكلفة.
وفي تقرير لها، تناولت صحيفة "نيويورك تايمز" بعض الطرق التي استخدمتها الولايات المتحدة وحلفاؤها لمواجهة المُسيّرات الإيرانية، وأن ذلك كان مُكلِّفًا للغاية.
الضربات الجوية
في السيناريو الأمثل، ترصد طائرة الإنذار المبكر مُسيّرة على بُعد مئات الأميال من هدفها، ثم تُرسَل طائرة مقاتلة، مثل طائرة F-16، من قاعدة عسكرية، حتى تستطيع استخدام صواريخ نظام الأسلحة الدقيقة المتقدمة (APKWS II) لإسقاط المُسيّرة من مسافة ستة أميال تقريبًا.
تُعَدّ هذه الأنواع من الدوريات الجوية الدفاعية فعّالة من حيث التكلفة، لكنها لم تكن متاحة دائمًا نظرًا لاتساع نطاق النزاع. ووفقًا لشبكة NBC News، استهدفت إيران أيضًا طائرات الإنذار المبكر التي تحتاجها الولايات المتحدة لرصد المُسيّرات من تلك المسافة.
كان الخيار الآخر للكشف عن المُسيّرات الإيرانية وإسقاطها هو مجموعة متنوعة من أنظمة الكشف الأرضية المختلفة، لكن هذه الأنظمة جميعها تعاني من أن قدرتها على رصد المُسيّرات التي تحلق على ارتفاع منخفض محدودة؛ بسبب انحناء الأرض.
ويُعَدّ نظام Coyote أحد أنظمة الدفاع الأرضية التي بنتها الولايات المتحدة وحلفاؤها خصيصًا لمواجهة الطائرات المُسيّرة على مدى أقصر. ويمكنه اعتراض الطائرات المُسيّرة على مسافة تصل إلى حوالي تسعة أميال. ويعتبر أرخص بكثير من العديد من أنظمة الدفاع الأرضية الأخرى المتاحة للولايات المتحدة وحلفائها.
وقد أثبت النظام فعاليته تاريخيًا في حماية الأصول المهمة. ولكن على الرغم من فعاليته وكفاءته من حيث التكلفة، لم يقم الجيش الأمريكي بشراء سوى عدد قليل نسبيًا من هذه الأنظمة في السنوات الأخيرة.
وعندما شنت الميليشيات المدعومة من إيران هجمات على القوات البرية الأمريكية في المنطقة في عامي 2023 و2024، كان عدد أنظمة Coyote المتاحة قليلًا للغاية، لدرجة أن القوات اضطرت إلى تغيير الأنظمة بين ثماني قواعد مختلفة في المنطقة بشكل شبه يومي، وفقًا لتقرير صادر عن مركز الأمن الأمريكي الجديد في واشنطن.
الدفاعات المضادة للصواريخ
تُعَدّ العديد من أنظمة الدفاع الأرضية بعيدة المدى، التي تستخدمها الولايات المتحدة لمكافحة المُسيّرات، أكثر تكلفة؛ لأنها مصممة لإسقاط الطائرات والصواريخ الباليستية، لا الطائرات المُسيّرة. فقد يستطيع نظام الرادار المدمج في مدمرة تابعة للبحرية الأمريكية رصد الطائرات المُسيّرة من مسافة 30 ميلًا وإسقاطها بصواريخ اعتراضية من طراز SM-2.
بدأ هذا التباين بين أنظمة الدفاع الأمريكية وتكتيكات الحرب الحالية بعد الحرب الباردة، عندما كانت التهديدات المتوقعة عبارة عن قذائف أقل وأسرع وأكثر تطورًا، وليس غارات طائرات بدون طيار جماعية.
غالبًا ما تطلق إيران عدة طائرات مُسيرة من طراز "شاهد-136" في وقت واحد؛ نظرًا لانخفاض سعرها. كما تُبرمج هذه الطائرات بوجهة محددة قبل الإطلاق، ويمكنها قطع مسافة تصل إلى 1500 ميل تقريبًا، مما يجعل استهدافها ممكنًا في جميع أنحاء الشرق الأوسط.
وبريًا، فإن نظام الدفاع الجوي القياسي للجيش الأمريكي هو نظام Patriot، والذي يتمركز عادةً في قاعدة عسكرية، ويستطيع إسقاط مُسيّرة من مسافة تصل إلى حوالي 27 ميلًا باستخدام صواريخ PAC-3 الاعتراضية.
لكن الدفاع المُكلِّف لا يزال من المنطقي اقتصاديًا في حماية هدف قيّم، وخاصة تلك التي يصعب إصلاحها أو استبدالها، مثل الرادار الذي تبلغ قيمته حوالي 1.1 مليار دولار في قاعدة عسكرية في قطر، وجهاز استشعار الدفاع الجوي الذي تبلغ قيمته 500 مليون دولار في قاعدة في الأردن، واللذين تضررا في وقت مبكر من الصراع.
المدافع الأرضية والمُسيّرات الاعتراضية
هي ما يمكن تسميته بالملاذ الأخير. فعندما تكون المُسيّرة على بعد ميل تقريبًا أو أقل من دقيقة من هدفها، يمكن لمدفع مثل Centurion C-RAM أن يبدأ بإطلاق النار بسرعة لإسقاطها. وعلى الرغم من أنه فعّال من حيث التكلفة إلى حد ما، إلا أنه ليس الخيار الأفضل لأنه يتمتع بمدى قصير للغاية.
أيضًا، هناك ما يمكن تسميته مستقبل مكافحة الطائرات المُسيّرة، وهي طائرات اعتراضية تعمل بالذكاء الاصطناعي. حيث تستطيع طائرات الاعتراض، مثل Merops Surveyor، مطاردة وإسقاط مقذوفات العدو من مسافة قصيرة نظريًا.
وأرسلت الولايات المتحدة آلاف الوحدات من نظام ميروبس إلى الشرق الأوسط بعد اندلاع الصراع، لكن من غير الواضح ما إذا كانت قد نُشرت بالفعل. وقد بدأ الجيش الأمريكي تدريبات على هذا النظام في خضم الحرب، وفقًا لما ذكره موقع "بيزنس إنسايدر".