في صباح اليوم التالي لتراجع الرئيس الأمريكي دونالد ترامب عن تهديده بـ"إنهاء حضارة بأكملها" وموافقته على وقف إطلاق النار لمدة أسبوعين مع إيران، نشرت سفارة طهران في جنوب إفريقيا على موقع "إكس" مقطع فيديو ساخرًا لكلب بُنّي يحدق في الكاميرا في حيرة، وهو عنصر أساسي في "ميمات" الإنترنت (Memes) منذ فترة طويلة.
وعلّقت السفارة الإيرانية على المقطع: "أولئك (تقصد الحيرة) الذين كانوا ينتظرون الليلة الماضية تدمير الحضارة الإيرانية".
كان المنشور بمثابة إشارة إلى أنه حتى مع ترسيخ الهدنة، فإن النظام الإيراني لم يكن لديه أي نية لوقف سخريته الإلكترونية، فمنذ أن بدأت الولايات المتحدة وإسرائيل الحرب، غمرت السفارات الإيرانية حساباتها على مواقع التواصل الاجتماعي بتعليقات ساخرة لاذعة.
بين موجات السخرية نشرت حسابات موالية للحكومة رسومًا متحركة بتقنية الذكاء الاصطناعي باستخدام "مكعبات ليجو"، تربط ملفات إبستين بحرب ترامب، كما سخر محمد باقر قاليباف -أحد أبرز قادة إيران في زمن الحرب ومفاوض أساسي في إسلام آباد- من الإدارة الأمريكية على حسابه.
ومن خلال تسخير لغة الإنترنت وصل المحتوى المؤيد لإيران إلى جماهير كبيرة في الولايات المتحدة وعلى مستوى العالم، حتى في الوقت الذي تعرضت فيه إيران للقصف الصاروخي وشنّت ضرباتها ضد إسرائيل والخليج، كما أن منشوراتها الاستفزازية باللغة الإنجليزية غالبًا ما تبدو وكأنها تحاكي أسلوب ترامب نفسه، كما تشير صحيفة "فايننشال تايمز" البريطانية.
"إنها محادثة مع الإدارة الأمريكية، بلغة الإدارة الأمريكية"، كما نقل التقرير عن نيكي أخافان، أستاذة الدراسات الإعلامية في الجامعة الكاثوليكية الأمريكية ومؤلفة كتاب "إيران الإلكترونية".
جمهور عالمي
أشار باحثون إلى أن طهران تستثمر في الدعاية عبر وسائل التواصل الاجتماعي منذ سنوات. وفي عام 2024، حدّد فريق الباحث في الأمن السيبراني في جامعة كليمسون دارن لينفيل، شبكات حسابات تروّج لقضايا مثيرة للانقسام في المملكة المتحدة، ووجد أنها تُدار سرًا من قِبل الحرس الثوري أو نيابة عنه.
ونقلت "فايننشال تايمز" عن باحثين أن الحرس الثوري الإيراني (IRGC) موّل شبكة من الشركات التي يعمل بها شبابٌ من جيل الإنترنت يتقنون ثقافة "الميمات" الإنجليزية، بينما أتقنت جماعات موالية للنظام إنتاج مقاطع فيديو سريعة الإيقاع بتقنية الذكاء الاصطناعي.
وعندما شنّت الولايات المتحدة وإسرائيل هجومهما، كانت تلك الشبكة جاهزة لإطلاق موجة من المحتوى الذي استهدف قضايا حساسة لإدارة ترامب.
تُعدّ فضيحة جيفري إبستين، وفكرة أن ترامب أشعل الحرب للتغطية على ما كُشف عن صديقه السابق، موضوعًا متكررًا في تلك الموجات الساخرة. وتزعم أخرى أن إسرائيل خدعت ترامب لشنّ الحرب، وأن الرئيس ومسؤوليه يحاولون التربّح منها.
ومن المواضيع المفضلة الأخرى لدى الإيرانيين "تاكو" (Taco)، وهو اختصار لعبارة "ترامب دائمًا يتراجع" (Trump always chickens out). كما استهدفوا جمهورًا عالميًا مختلفًا مناهضًا للإمبريالية من خلال منشورات حول التضامن الفلسطيني وحرب فيتنام والفظائع المرتكبة ضد الأمريكيين الأصليين.
ويُظهر أحد الفيديوهات شخصية ترامب المصنوعة من الـ"ليجو" وهو يتصبب عرقًا بينما تتجمع احتجاجات "لا ملوك" أمام البيت الأبيض وترتفع أسعار النفط، ثم ينوح يأسًا عندما يخبره أحد مساعديه: "سيدي، لقد أصدر الإيرانيون فيديو رسوم متحركة جديدًا".
https://t.co/yCY9bejRr6 pic.twitter.com/2VXB6h2DWg
— محمدباقر قالیباف | MB Ghalibaf (@mb_ghalibaf) March 26, 2026
سخرية مستمرة
حول العالم، تبنت حسابات السفارات الإيرانية النهج القائم على "الميمات"، وربما كان ذلك على خطى قاليباف، رئيس البرلمان الإيراني، وأحد أعلى المسؤولين رتبة الذين انحرفوا عن النبرة الفخمة التقليدية للدعاية الحكومية.
عندما أشار وزير الحرب الأمريكي بيت هيجسيث، في مارس الماضي، إلى أن واشنطن قللت من شأن القدرة الصاروخية الإيرانية، نشر قاليباف صورة لطفل مذعور على وشك البكاء. حصد المنشور 2.6 مليون مشاهدة على مستوى العالم، ويقول الباحثون إن النطاق الحقيقي للدعاية الإيرانية أوسع من ذلك، وإن كان من الصعب تحديده بدقة نظرًا لإعادة نشر منشوراتها من قبل حسابات متفرقة وغير مرتبطة بها.
وتشير الصحيفة البريطانية إلى أنه بالنظر إلى هدف ترامب المعلن المتمثل في "إجبار إيران على الاستسلام الكامل" والوعود المختلفة بالقضاء على الحكومة الإيرانية، فإن قدرة قاليباف وغيره من المسؤولين على الاستمرار في النشر، ناهيك عن ابتكار "ميمات" لاذعة، تضيف طبقة ثانية من التحدي لكل هجوم.
وتنقل عن أحد باحثي المجلس الأطلسي: "إذا كان تفاعلك الرئيسي مع الحرب يتم عبر مقاطع الفيديو الإيرانية هذه، فإنك ترى بشكل أساسي الولايات المتحدة وإسرائيل تطلقان كل قوتهما العسكرية دون جدوى، ثم إيران تضحك عليهما".
وفي الواقع، لم يُسهم إعلان وقف إطلاق النار إلا قليلا في الحد من نشاط صانعي المحتوى الساخر الإيرانيين، الذين سرعان ما انطلقوا في البحث عن طرق لتصوير الاتفاق على أنه انتصار إيراني والسخرية من تصريحات ترامب المنتصرة. أشهرها مقطع فيديو يظهر فيه ترامب وهو يبكي جالسًا على الأرض، أمام راية بيضاء للاستسلام، ويأكل تاكو.