قبل ساعات قليلة من إعلان الرئيس الأمريكي دونالد ترامب موقفًا تصعيديًا تجاه إيران، كشفت تقارير عن تحرك صيني في اللحظات الأخيرة، سعت من خلاله بكين -بوصفها الحليف الأبرز لطهران- إلى احتواء الأزمة ودفعها نحو طاولة المفاوضات، في محاولة لوقف مسار الحرب.
وتعد الصين أحد أهم الشركاء الاقتصاديين لإيران، لا سيما في قطاع الطاقة، إذ تعتمد بشكل ملحوظ على النفط الإيراني.
وتعزز هذا التعاون عبر اتفاقية شراكة إستراتيجية طويلة الأمد تمتد لـ25 عامًا، تشمل مجالات الطاقة والبنية التحتية والاستثمار، ضمن إطار مبادرة "الحزام والطريق".
غير أن التساؤل الأبرز يظل قائمًا: إلى أي مدى يمكن أن تنخرط بكين في دور أوسع للوساطة بين حليفها الإيراني وخصمها الإستراتيجي الولايات المتحدة الأمريكية لإنهاء الحرب؟
في هذا السياق، أوضح وانج جوانجدا الأمين العام لمركز الدراسات الصيني العربي للإصلاح والتنمية لموقع "القاهرة الإخبارية"، أن الصين لن تسعى إلى احتكار دور الوساطة أو فرض هيمنتها على مسار التفاوض، كما أنها لن تكتفي بدور رمزي محدود.
ورجَّح أن تتبنى بكين نموذجًا يقوم على مزيج من "الوساطة، وتهيئة منصات متعددة الأطراف، ودعم الخطوط الحمراء"، بما يسمح لها بلعب دور بناء ومتدرج في تعزيز فرص السلام، دون السعي لفرض اتفاق شامل بالقوة.
وأشار "وانج" إلى أن قدرة الصين على أداء هذا الدور تنبع من احتفاظها بعلاقات متوازنة وقنوات تواصل مفتوحة مع أطراف متعددة، بما في ذلك إيران وإسرائيل والولايات المتحدة ودول الخليج، فضلًا عن التزامها التاريخي بمبدأ "عدم الانحياز"، وهو ما يمنحها درجة أعلى من المصداقية والقبول لدى مختلف الأطراف.
وأضاف أن بكين طرحت بالفعل مجموعة من المبادرات التي تركز على وقف إطلاق النار، وإنهاء النزاعات، وتعزيز الحوار السياسي، وحماية المدنيين، وضمان أمن الممرات الملاحية، إلى جانب الالتزام بميثاق الأمم المتحدة، كما دعمت هذه المبادرات عبر تحركات دبلوماسية نشطة، شملت اتصالات وزارية وجولات مكوكية لمبعوثيها، فضلًا عن تنسيق متعدد الأطراف بشكل مستمر.
وفي حديثه لـ"القاهرة الإخبارية"، أكد "وانج" أن انخراط الصين في هذا الملف لا ينفصل عن مصالحها الإستراتيجية، إذ تمثل النزاعات تهديدا مباشرًا لأمن الطاقة وسلاسل الإمداد واستثماراتها الخارجية، ما يجعل دعم الاستقرار خيارًا يتقاطع مع أولوياتها الحيوية.
من جهته، قال البروفيسير سون ده قانج، مدير مركز دراسات الشرق الأوسط بجامعة فودان، لموقع "القاهرة الإخبارية"، إن معالجة أزمات الشرق الأوسط تتطلب مقاربة شاملة تعالج جذور الصراع، وليس الاكتفاء بحلول جزئية أو مؤقتة.
ولفت إلى أن الصين استخدمت حق النقض "فيتو" في مجلس الأمن بشأن قضية مضيق هرمز في 8 أبريل، معتبرًا أن جوهر الأزمة لا يرتبط بالمضيق بقدر ما يرتبط باستمرار المواجهة بين واشنطن وطهران.
كما أشار إلى أن مبادرة الأمن العالمي التي تروِّج لها بكين تقوم على مفهوم "الأمن المشترك"، الذي يعد أكثر استدامة من مقاربات "الأمن المطلق" أو "البقاء للأقوى"، مؤكدًا أن الأمن بطبيعته متبادل، وأن أي طرف يسعى لتحقيق أمنه على حساب الآخرين لن يحقق استقرارًا حقيقيًا على المدى الطويل.
وفي السياق ذاته، أوضح "سون" أن الصين وروسيا تجريان مشاورات مكثفة داخل مجلس الأمن مع مختلف الأطراف بشأن مشروع قرار جديد بشأن التهدئة في إيران، متوقعًا أن يكون أكثر توازنًا وواقعية.
واختتم بالإشارة إلى أن جهود الوساطة الجارية في باكستان لا تقتصر على طرف واحد، بل تشهد مساهمات إيجابية من عدة دول، من بينها الصين وروسيا ومصر وتركيا، مؤكدًا أن مجلس الأمن يظل منصة محورية لدفع مسار التهدئة والتوصل إلى وقف إطلاق النار في الشرق الأوسط.