تبنى الرئيس الأمريكي دونالد ترامب خطابًا لتهميش دور قارة أوروبا وقادتها، منذ عودته لإدارة البيت الأبيض قبل أكثر من عام، إلا أن العملية العسكرية التي شنتها الولايات المتحدة وإسرائيل ضد إيران، كشفت عن تحول أكبر في العلاقة بين واشنطن وحلفائها.
ودأب ترامب على التهديد بالخروج من حلف شمال الأطلسي "الناتو" الأمر الذي قد يقوده نحو التفكك، كان آخرها الأربعاء الماضي، كما هدد صراحة بالاستيلاء على جزيرة جرينلاند من الدنمارك.
امتلاك زمام المبادرة
ولكن مع بدء الضربات العسكرية على إيران، نهاية فبراير الماضي، تغيرت الأمور تمامًا، بحسب شبكة "يو إس نيوز"، إذ أثبتت أوروبا أهميتها البالغة لأول مرة بالنسبة لمصالح أمريكا، وهو ما دفع ترامب لتوبيخ قادة الناتو لعدم مشاركتهم في الحرب.
وظهر واضحًا أهمية القواعد العسكرية الأوروبية خلال الحرب، والتي من دون الوصول إليها، كانت الحرب ستكون أصعب بكثير جدًا إن لم تكن مستحيلة، وهنا جاءت الفرصة لأوروبا لامتلاك زمام المبادرة.
أدركت أوروبا أنها وصلت مع الرئيس الأمريكي إلى لحظة يمكنها فيها على الأقل إعادة ضبط ميزان القوى ورسم سياسة توازنات جديدة، ووفقًا لخبراء، هذا ما أدركه الرئيس الأمريكي نفسه بأن أوروبا واسترضاءها أمر حيوي تمامًا لمصالح الولايات المتحدة، وأن التصرف بمفردهم له عواقب تجعل الأمور أصعب بكثير.
من الذعر إلى اللامبالاة
وأكد خبراء العلاقات الدولية لـ"يو إس نيوز"، أن الدول الأوروبية انتقلت بفضل الحرب على إيران، من حالة الذعر التي سادت في عام 2025 من ترامب، إلى سياسة واقعية أظهرت نوعًا من "اللامبالاة" تجاه تهديدات ترامب التقليدية، ورفضت بجراءة التورط المباشر في النزاع العسكري.
وقيدت أو رفضت دولًا مثل إسبانيا وفرنسا وإيطاليا والنمسا وسويسرا وصول الطائرات العسكرية الأمريكية إلى مجالها الجوي أو قواعدها؛ بينما سعت دول أخرى لتقديم المساعدة بشروط، باستثناء إسبانيا التي رفضت السماح باستخدام قواعدها في الحرب.
تُعَدّ قاعدة رامشتاين الجوية في ألمانيا مثالًا على مدى أهمية القواعد الأوروبية للعمليات العسكرية الأمريكية، والتي منها تُدار العديد من العمليات الإقليمية للجيش الأمريكي القائمة على تكنولوجيا المعلومات، بما في ذلك أنشطة الذكاء الاصطناعي، وفي السنوات الأخيرة ازدادت أهميتها بالنسبة للقوات الأمريكية.
استخدام القواعد الأوروبية
كانت إسبانيا صاحبة أكثر المواقف تشددًا في ذلك الأمر، إذ كشفت صحيفة "إل باييس" أن مدريد لم تتخذ قرارًا برفض استخدام قواعدها العسكرية المشتركة مثل قاعدتي روتا ومورون دي لا فرونتيرا فحسب، بل تطور الأمر إلى أبعد من ذلك، وقامت بإغلاق المجال الجوي الإسباني أمام الطائرات الأمريكية.
قالت وزيرة الدفاع الإسبانية مارجاريتا روبليس، إن الحظر المفروض لا يقتصر على القواعد العسكرية واستخدام الأجواء الإسبانية من قبل الطائرات الأمريكية، بل أيضًا سيمنع استقبال حتى طائرات الوقود أو الحربية المتمركزة في دولة ثالثة مثل المملكة المتحدة أو فرنسا.
رفضت إيطاليا بدورها، استخدام الولايات المتحدة للقواعد الإيطالية، خاصة قاعدة سيجونيلا الجوية في صقلية، كنقطة انطلاق للعمليات في إيران، وأكد وزير الدفاع جيدو كروسيتو، نقلًا عن بلومبرج، أن حكومته اتبعت الإجراءات المعمول بها منذ عقود.
استخدام مشروط
ويخضع استخدام الولايات المتحدة للقواعد الإيطالية لاتفاقيات وُقِّعَت في خمسينيات القرن الماضي، بحسب رئيسة الوزراء جورجيا ميلوني، التي أكدت أن هذه الاتفاقيات لا تسمح بعمليات قتالية، وأن أي طلبات من هذا القبيل ستُعرَض على البرلمان للمناقشة في إطار القانون والدستور.
أما البرتغال، فقد وضعت شرطًا لاستخدام قاعدة لاجيس الجوية، يتمثل في عدم استخدامها لقصف البنية التحتية المدنية، ولذلك سمحت بـ 76 عملية هبوط لطائرات أمريكية، و 25 طلعة جوية فوق أراضيها منذ بداية الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران، بينما رفضت في عدة مناسبات عدة عمليات إنزال، وفقًا لرويترز.
وعلى الرغم من سماح المملكة المتحدة باستخدام القواعد العسكرية في بعض العمليات الحربية ضد إيران، إلا أن رئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر، حذر من أن ذلك قد يجعل المملكة المتحدة متواطئة في جرائم حرب إذا استمر في السماح للولايات المتحدة باستخدام أراضيها.
سياسة حذرة
يرى الخبراء أنه طوال ولاية دونالد ترامب الثانية كرئيس للولايات المتحدة، ظهر قادة أوروبا وكأنهم يتعرضون للتنمر والاستخفاف والتهميش من خلاله، مما دفعهم لتبني سياسة حذرة؛ خوفًا من ردود فعل غير متوقعة من إدارة ترامب قد تؤثر على ملفات حساسة مثل الأزمة الروسية الأوكرانية.
ولكن الحرب الإيرانية، وفقًا لهم، كانت لحظة الحقيقة، التي أدركت واشنطن خلالها أهمية أوروبا بالنسبة لها، مشيرين إلى أن التحدي الأكبر يكمن في قدرة أوروبا على تجاوز انقساماتها الداخلية لاستغلال ما وصفوه بالنفوذ الطارئ وتحويله إلى مكاسب إستراتيجية دائمة تخدم شعوبهم.