طرح بعض الباحثين بعد قرار الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بوقف إطلاق النار مع إيران، عددًا من الأسئلة، هي: كيف كان مستوى التداخل بين صراعي أوكرانيا وإيران؟ وكيف عكس سلوك روسيا وأوكرانيا أثناء حرب إيران التأثير المتبادل بين الصراعين؟ وما أثر هذا التشابك بين الصراعين على مستقبل النظام الدولي؟
انخراط روسي محسوب
رغم ما يبدو من هدوء أو انكفاء نسبي في الموقف الروسي تجاه الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران، فإن السلوك الروسي الفعلي غير المعلن، كان يعكس في الواقع مقاربة إستراتيجية محسوبة تقوم على عدة اعتبارات:
(*) تعظيم المكاسب: سعت موسكو إلى الاستفادة من تداعيات التصعيد المتزايد، خاصةً في مجال الطاقة وتشتيت الانتباه الغربي، دون الانزلاق إلى مواجهة مباشرة مع الولايات المتحدة في الشرق الأوسط.
(*) دعم محسوب لإيران: حافظت روسيا على علاقاتها الإستراتيجية مع إيران، سواء على المستويين السياسي أو التقني، مع تجنب الانخراط العسكري المباشر في الحرب، بما يحد من مخاطر التصعيد الشامل.
(*) الاستثمار في تعدد الأزمات الدولية: تدرك موسكو أن تعدد بؤر التوتر يمثل عامل ضغط يختبر قدرة الولايات المتحدة وحلفائها على إدارة الأزمات بكفاءة، وهو ما يمنح روسيا هامشًا أوسع للمناورة في الساحة الأوكرانية.
تحركات أوكرانية براجماتية
تمثل الاتفاقيات الدفاعية المبرمة أخيرًا بين أوكرانيا وعدد من دول الخليج والأردن، تطورًا واضحًا في طبيعة الدور الأوكراني على الساحة الدولية، ويمكن قراءتها من خلال عدة مؤشرات:
(&) فاعل أمني: تكشف دلالات الاتفاقيات الدفاعية المبرمة بين أوكرانيا وعدد من دول الخليج والأردن أخيرًا، أن أوكرانيا لم تعد مجرد متلقٍ للدعم العسكري الغربي، بل بدأت في تصدير خبراتها، خاصة في مجالات الدفاع الجوي ومكافحة الطائرات المُسيّرة.
(&) اندماج تدريجي في المنظومة الغربية: تعكس هذه الاتفاقيات توسع الدور الوظيفي لأوكرانيا ضِمن شبكة التحالفات الغربية، بما يتجاوز حدود أوروبا إلى إقليم الشرق الأوسط.
(&) تعميق ترابط الصراعين: أسهمت تحركات أوكرانيا إزاء خلال فترة الحرب على إيران، في ربط مسار حربها مع روسيا بتوازنات الأمن الإقليمي في الشرق الأوسط، وهذا ما عزز من تشابك الصراعين.
تأثير متعدد الأبعاد
يمكن تحديد أبعاد التأثير المتبادل بين الصراعين فيما يلي:
(-) البعد الاقتصادي والطاقي: أسهمت فترة الحرب في الشرق الأوسط، في زيادة التوترات المرتبطة بأمن الطاقة، وهو الذي انعكس في ارتفاع أسعار النفط عالميًا. وقد وفر هذا الوضع متنفسًا اقتصاديًا لروسيا، عبر تعزيز عائداتها من صادرات الطاقة، بما يدعم قدرتها على الاستمرار في حربها مع أوكرانيا. في المقابل، واجهت الولايات المتحدة معضلة مزدوجة تتمثل في ضرورة دعم أوكرانيا عسكريًا، مع الحفاظ على استقرار أسواق الطاقة، الأمر الذي يفرض قيودًا على بعض الخيارات الإستراتيجية.
(-) البعد العسكري والتقني: شهدت السنوات الأخيرة تزايدًا في الترابط بين مسارح العمليات العسكرية، خاصة في مجال الطائرات المُسيّرة والحرب غير التقليدية. ففي حين استفادت روسيا من الدعم الإيراني في تطوير واستخدام الطائرات المُسيّرة، برز اتجاه معاكس يتمثل في نقل الخبرات الأوكرانية في مواجهة هذه التهديدات إلى دول الخليج. ويعكس هذا النمط من التبادل انتقال الخبرات العسكرية عبر أقاليم العالم المتباعدة جغرافيًا، بما يعزز من ترابط الصراعات في المستقبل ويُكسبها طابعًا عابرًا للحدود.
(-) إعادة توزيع الموارد الإستراتيجية: أدى انخراط الولايات المتحدة في أكثر من مسرح عمليات إلى ضغوط متزايدة على مواردها العسكرية، لا سيما في مجالات الدفاع الجوي والانتشار العسكري. ويترتب على ذلك تأثير غير مباشر على مستوى الدعم المقدم لأوكرانيا، وهو ما صبّ – من الناحية الإستراتيجية – في مصلحة روسيا.
في ضوء ما سبق، يتضح أن العلاقة بين حرب أوكرانيا والحرب المتوقفة على إيران تقوم على نمط من التأثير المتبادل غير المباشر، إذ غذى كل منهما الآخر عبر آليات اقتصادية وعسكرية وإستراتيجية.
وفي النهاية، يمكن القول إن النظام الدولي يتجه نحو مرحلة تتسم بتداخل الأزمات وتشابك مسارات الصراعات؛ نتيجة تحركات ومواقف وسلوك أطراف هذه الصراعات في صراعات أخرى متزامنة. وتجلى ذلك بوضوح في موقف كل من روسيا وأوكرانيا في الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران. فالموقف الروسي الذي يبدو في ظاهره غير مهتم بالصراع في الشرق الأوسط، يجسد في باطنه إستراتيجية قائمة على تحقيق أقصى قدر من المكاسب بأقل تكلفة ممكنة.
وفي المقابل، تشير التحركات الأوكرانية في حرب إيران عبر إبرامها عدد من الاتفاقيات الدفاعية مع دول الخليج والأردن، إلى تحول نوعي في دورها الدولي بما يعزز من ترابط الصراعات الجيوسياسية المختلفة. لذلك أصبح فهم هذه التفاعلات المتشابكة لهذه الصراعات ضرورة أساسية لاستشراف مستقبل النظام الدولي، والذي يبدو أنه يتجه نحو مزيد من التعقيد وتعدد مراكز التأثير فيه عبر تحالفات جديدة، في ظل بيئة إستراتيجية مفتوحة على احتمالات متعددة.